القضية الفلسطينية بعيون زرادشت

31 يناير 2025
+ الخط -

يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في كتابه "هكذا تكلم زردشت": "ما خلق الخير والشر في كل عصر إلا المتهوسون المبدعون، وما أضرم نارهما إلا عاطفة الحب وعاطفة الغضب باسم الفضائل جمعاء!".

في خضم الصراع الطويل الذي يعيشه الشعب الفلسطيني من أجل استقلاله وكرامته، يمكننا أن نستحضر الحكمة الفلسفية لزرادشت، رجل الدين الفارسي الذي عاش قبل آلاف السنين في مناطق أذربيجان وكردستان وإيران الحالية، لكنه قدّم رؤية عالمية للصراع بين الخير والشر، النور والظلام، الأمل واليأس...، زرادشت الذي أسّس فلسفة مبنية على الصراع الأخلاقي، يفتح أمامنا نافذة للتأمّل في النضال الفلسطيني من زاوية أخلاقية تتجاوز الزمان والمكان.

عبر التاريخ وُجدت قضايا تلخص الصراع الأبدي بين الخير والشر، النور والظلام، وفي عصرنا الحديث لا توجد قضية تجسّد هذا الصراع مثل القضية الفلسطينية، فهي ليست مجرّد نزاع على الأرض أو الحقوق السياسية، بل هي ملحمة إنسانية عميقة، وصراع وجودي بين قوى تسعى لإبادة الهُويّة وقوى تقاوم للبقاء، لفهم هذا الصراع من زاوية فلسفية يمكن أن نستعين برؤية زرادشت، الحكيم الذي بشّر بالنور في مواجهة الظلام، وتأمّلاته التي ألهمت الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي رأى في زرادشت رمزًا للمقاومة الأخلاقية والتجديد الإنساني.

المقاومة ليست فقط قوة مادية، بل هي أيضًا قوة أخلاقية وروحية

في فلسفة زرادشت، توجد ثنائية أهورامزدا (إله الخير والنور)، وأهريمان (إله الشر والظلام والفوضى)، فهو يرى أنّ العالم ساحة صراع دائم بين هاتين القوتين، وأن الإنسان بوعيه الأخلاقي، يلعب دورًا محوريًا في هذا الصراع، ولو نظرنا إلى فلسطين من خلال هذه الرؤية، سنجد أن الاحتلال الصهيوني يمثل أهريمان بقمعه وظلمه، محاولًا نشر الظلام والفوضى، بينما يمثّل الشعب الفلسطيني أهورامزدا، الذي يقاوم الظلم بالإيمان بحقّه في الحياة والحرية والكرامة، في هذا الصراع يواجه الفلسطينيون محاولات طمس هُويّتهم وتدمير وجودهم، لكنهم يصرون على المقاومة، مما يجعلهم تجسيدًا عمليًا لفكرة زرادشت عن النور الذي لا ينطفئ أمام الظلام.

زرادشت لم يكن مجرّد متنبئ بالصراع بين الخير والشر، بل دعا البشر إلى اتخاذ موقفٍ أخلاقي واضح، بحيث يكون الخير فعلًا يوميًا. وفي هذا الإطار يقول زرادشت: "أفضل عبادة لأهورامزدا هي العمل الجيد، الفكر النقي، والكلام الطيب"، ويمكننا أن نجد صدى لهذه الفكرة في النضال الفلسطيني، إذ يعبّر الشعب الفلسطيني عن مقاومته من خلال تمسّكه بالقيم الإنسانية: العدل، الكرامة، والحرية، كما تعبّر المقاومة الفلسطينية عن رفض الظلم بكلّ أشكاله. وفي هذا السياق قال نيتشه في "هكذا تكلم زرادشت": "إن الحياة صراع، ومن يهرب منه يفقد ذاته"، الفلسطينيون بإصرارهم على الكفاح رغم كلّ المعاناة، يجسّدون هذه الرؤية، إذ يتحوّل الصراع إلى قوّة مبدعة تحافظ على الكرامة الإنسانية.

زرادشت رأى أن النور ليس مجرّد حالة فيزيائية، بل رمزًا للقوّة الروحية والأمل، وكان يؤمن بأن العالم رغم ظلامه، يسير نحو الخير النهائي، وأنّ الأمل هو السلاح الأساسي في هذا الكفاح، وهذا ما عبّر عنه نيتشه بقوله: "من يملك سببًا للعيش يستطيع تحمل أي معاناة". في القضية الفلسطينية، يظهر الأمل قوة مركزية في النضال، فالفلسطينيون رغم الحصار، القتل، والتشريد، يتمسّكون بحلم التحرّر بوصفه حقيقة لا تقبل التفاوض، هذا الأمل يشبه نور زرادشت الذي لا ينطفئ، ويُظهر للعالم أن المقاومة ليست فقط قوة مادية، بل هي أيضًا قوة أخلاقية وروحية.

يعبّر الشعب الفلسطيني عن مقاومته من خلال تمسّكه بالقيم الإنسانية: العدل، الكرامة، والحرية

في فلسفة نيتشه التي تستند إلى زرادشت، يمثّل الصراع فرصة للإنسان كي يتجاوز ذاته، في هذا الصدد يقول نيتشه: "عليك أن تحمل فوضاك بداخلك لتلد نجمًا راقصًا"، فالفلسطينيون وهم يواجهون الفوضى التي يفرضها الاحتلال، يولّدون من معاناتهم طاقة مبدعة، ويحوّلون الألم إلى صمود، والخسارة إلى إصرار.

هذه الرؤية تجعل من النضال الفلسطيني أكثر من مجرّد دفاع عن الأرض؛ إنه صراع وجودي يعيد تعريف الإنسان باعتباره كياناً قادراً على التحدي رغم قوى الطغيان، فالفلسطيني في مقاومته اليوميّة يعبّر عن إنسانيّة متجدّدة تقف في وجه قوى الظلام، تمامًا كما دعا زرادشت البشر إلى تحدي أهريمان، فلو عاش زرادشت في زمننا، لرأى في الصراع الفلسطيني الصهيوني تجسيدًا حيًا لفلسفته، إذ يُنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي كأهريمان الذي يحاول محو النور، بينما يرى في الشعب الفلسطيني أتباع أهورامزدا الذين يصرون على أنّ الخير سينتصر مهما طال الزمن، وفي هذا السياق يمكننا أن نستحضر كلمات نيتشه: "كل ما يقتلني يجعلني أقوى". والفلسطينيون رغم كلّ المحن، يزدادون صلابة وقوة، مما يجعل من نضالهم رسالة أمل لكلّ المضطهدين في العالم.

فلسفة زرادشت تعلّمنا أنّ النور، مهما بدا ضعيفًا، قادر على التغلّب على الظلام، وفي فلسطين يتجسّد هذا الدرس في صمود شعبٍ يؤمن بحقّه في العيش بحرية وكرامة. وهكذا، فالقضية الفلسطينية ليست مجرّد نزاع جيوسياسي؛ إنها ملحمة إنسانية تلهم العالم، تمامًا كما ألهم زرادشت نيتشه، وكما ألهم النور البشرية عبر التاريخ.

في الأخير "النور ينتصر دائمًا" قالها زرادشت قبل آلاف السنين، ويؤكّدها اليوم الفلسطينيون بصمودهم، حاملين شعلة الأمل في وجه العتمة والخراب.