الفلسفة التفكيكية والغموض الإرهابي
استخدم ميشيل فوكو هذا التعبير obscurantisme terroriste في وصفه لنصوص دريدا، حين اشتكى له جون سيرل من صعوبة فهم تلك النصوص، ومن كونها غامضةً جدّاً، ومن إنّه لا يمكن الوصول مع دريدا إلى المعنى الصحيح لكلامه، لأنّه، في كلّ مرّةٍ، كان سيرل يقول لدريدا إنّه "يقول كذا وكذا"، كان يقاطعه بالقول: "أنت لم تفهمني". وقد شرح فوكو لسيرل وصفه لدريدا، أو لأسلوب كتابته، بهذا التعبير، بالقول إنّ دريدا "يكتب بأسلوبٍ غامضٍ، لدرجة أنك لا تستطيع فهم ما يقوله، وهذا هو جانب الغموض، وعندما تنتقده، يمكنه، دائماً، أن يقول: "(لم تفهمني؛ أنت أحمق). وهذا هو جانب الإرهاب".
هناك تاريخٌ طويلٌ وحافلٌ بين فوكو ودريدا، وقد بدأ بعدم استساغة فوكو لنصوص دريدا منذ أن كان دريدا طالباً جامعيّاً. ففي حادثةٍ طريفةٍ تمثّلت في أنّ دريدا قدّم نصّاً لأستاذه ألتوسير في الجامعة، فاحتار ألتوسير في مضمون النصّ، وطلب من فوكو مساعدته في تقييمه. فقال له فوكو إنّ هذا النص يستحق، إمّا أعلى درجةٍ ممكنةٍ أو أدنى درجةٍ ممكنةٍ. ولم يحسم فوكو موقفه من قيمة النصّ الذي بدا له مراوغاً ومُربكاً وغامضاً. واستمرّ هذا التاريخ بنقد دريدا لرؤية فوكو الذي رأى، في "تأريخه للجنون"، أنّ ديكارت أقصى الجنون في تأسيسه للعقل، وحاول إعادة الاعتبار للجنون. فقد رأى دريدا أنّ فوكو قد أساء قراءة أو فهم نصّ ديكارت الذي يستوعب لحظة الجنون في إطار تفكير العقل أو التفكير العقلاني، وشدّد على أنّه ليس هناك من بديلٍ للعقل حتى في التأريخ للجنون وفي محاولة إعادة الاعتبار له. فمحاولة إعطاء صوتٍ لما هو خارج العقل لا يمكن أن تجري إلّا بلغة العقل نفسه. فلا يوجد خارجٌ مطلقٌ للعقل أو اللغة. وكلّ خطاب يدّعي تمثيل الجنون، أو يقوم بنقد العقل، يقع، بالضرورة، داخل نظام العقل الذي ينقده. ولن أدخل الآن في تفاصيل العلاقة بين هذين الفيلسوفين اللذين يُصنَّفان، معًا، على أنّهما من فلاسفة ما بعد الحداثة. ولست متأكداً مَن منهما مظلومٌ أكثر، بهذا الجمع وذاك التصنيف، خصوصاً حين يتضمّن التصنيف صورةً نمطيةً وغرائبيةً وسلبيةً لما يسمّى ﺑ "ما بعد الحداثة".
محاولة إعطاء صوتٍ لما هو خارج العقل لا يمكن أن تجري إلّا بلغة العقل نفسه
علاقتي أنا، شخصيّاً، بنصوص دريدا لم تتضمّن المعاناة التي يتحدّث عنها كثيرون في هذا الخصوص؛ ومن هؤلاء عدي الزعبي وأحمد برقاوي الذي عبّر لي، شفهيّاً، وفي مقالٍ منشورٍ، كتابيّاً، عن رأيٍ قريبٍ من رأي سيرل وفوكو. وبالتضاد مع هذا الرأي، جزئيّاً على الأقل، أرى أنّ نصوص دريدا (أبو التفكيك) ونصوص بول دو مان (أبو التفكيك الأميركي) هي من أجمل النصوص التي قرأتها (باللغتَين الفرنسية والإنكليزية). ففيها مزج بالغ الإتقان والجمال والإثارة الفكرية بين الأدب والفلسفة. وهذا المزيج خطيرٌ، وقلَّ من يتقنه. وعندما يكون مثل هذا المزيج غير متقنٍ يُنتج، غالباً، أدباً سيئاً وفلسفةً سيئةً، وهذا ما حصل في نصوصٍ عربيةٍ كثيرةٍ. أمّا عند الإتقان، كما هو الحال في نصوص دريدا ودومان، وقبلهما أفلاطون ونيتشه وفلاسفةٌ آخرون، فإنّ النتاج يكون فلسفةً عميقةً وأدباً جميلاً.
الغموض، في حدّ ذاته، ومن حيث المبدأ، ليس له قيمةٌ، إيجابيةٌ أو سلبيةٌ، في حدّ ذاته. ويمكن القول بسلبيته حين يعرقل، عرقلةً مصطنعةً أو غير ضروريةٍ، التواصل ووصول أو بلوغ المعنى. وهو مصطنعٌ وغير ضروريٍّ حين يُظنّ أنّ الغموض يعني العمق، بالضرورة، وأنّ استخدام كلماتٍ وعباراتٍ جديدةٍ وغير مألوفةٍ يدل، بالضرورة، على الإبداع أو يتطلّبه الإبداع الفلسفي، بوصفه إبداعاً للمفاهيم. وهناك شيوعٌ لمثل هذه "الموضة"، وهي ناتجةٌ عن وهم الاعتقاد بوجود ارتباطٍ ضروريٍّ بين الفلسفة أو العمق الفكري فيها، من جهةٍ، والغموض والغرابة، من جهةٍ أخرى، أو ناتجةٌ عن الافتقار إلى الكفاءة أو التحصيل المعرفي والفلسفي الكافي أو الجيّد. في المقابل، أتفق مع من يرى أنّ هناك من يمارس بالفعل هذا النوع من الإرهاب/ الترهيب، فيكتب نصّاً ملتبس المعنى في مواضع عديدةٍ، ويحتمل فهوماً مختلفةً، لهذا السبب ولأسبابٍ أخرى، لكنه ينوح كلما ظهر انتقادٌ لمضامين ذلك النصّ، ويسوح شاكياً من السوء المزعوم للتلقي، ويرى في كلّ اختلافٍ معه أو عنه، في فهم نصّه أو المواضيع والأفكار التي يتناولها، سوء فهمٍ له ولفكره، وكأنَّ الفهم يعني الاتفاق (الكامل) بالضرورة.
المطالبة بالوضوح الكامل ليست بريئةً، بل هي استمرارٌ لمطلبٍ ميتافيزيقيٍّ يريد للمعنى أن يكون حاضراً وناجزاً ومُغلقاً
في المقابل، يمكن للغموض أن يمنح النصّ غنىً وفائض معنى، وأن يكون تعبيراً مُناسباً وواضحاً عن غموض الموضوع المبحوث. وما يغيب عن ذهن كثيرين من المنتقدين لغموض نصوص أبوَيْ التفكيك، دريدا ودومان، أنّ اضطراب المعنى وعدم تحدّده أو حسمه في تلك النصوص يمثّل قولاً أو فعلاً إنجازيّاً، يحقّق فعليّاً أو عمليّاً، ما يقوم التفكيك بتقديمه نظريّاً. فالرؤية التفكيكية تتضمّن القول بتشتّت أو تبعثّر المعنى، وعدم إمكانية حسمه، وبعدم إمكانية الفهم الكامل، وبأنّه ثمة، دائماً، في قول الآخر، ما لا يمكن للفهم أن يستنفد آخريته، بحيث يلغي غرابته، ويجعله مألوفاً وعاديّاً. ولهذا كان هناك توتّرٌ دائمٌ بين الفلسفتَين التفكيكية والهيرمينوطيقية. ونجد في نصّ دريدا "المهماز"، على سبيل المثال، انتقاداتٍ شديدةً (ضمنيةً) لغادامر، أو للهيرمينوطيقا عموماً، لبحثها عن المعنى الواحد الشامل. كما ظهر ذلك التوتّر واضحاً في أحد اللقاءات النادرة التي جمعت دريدا بغادامر في باريس عام 1981، إذ وجَّه دريدا لغادامر ثلاثة أسئلةٍ، فقط، كانت مُثيرةً وصادمةً (لغادامر)، لدرجة أنّها شغلت بال غادامر في نصوصه اللاحقة، إذ أصبح دريدا محاوره المفضّل، في كتاباته الأخيرة، فخصّص سبعة نصوصٍ، تقريباً، لمناقشة العلاقة بين التفكيك والهيرمينوطيقا. وعلى الرغم من أنّ ريكور رأى في التفكيك نوعاً من الهيرمينوطيقا، فإنّه رأى أنّ تلك الهيرمينوطيقا تتسم بالشبهة والارتياب وهي تختلف عن هيرمينوطيقا جني المعنى، كما تظهر عند مرسيا إلياد، على سبيل المثال.
رفض دريدا اتّسام فكره بالغموض الذي تحدّث عنه فوكو، وآخرون، أي الغموض اللغوي الذي قد يتحوّل إلى سلطةٍ خطابيةٍ جديدةٍ، لا تُقنع بالحجج، بل تُربك القارئ، وتغلق النقاش، وتُفشل النقد بدل أن تفتحه؛ لكنه، شدَّد، في المقابل، على أنّ الغموض ليس حيلةً بلاغيةً، (بالضرورة)، بل هو نتيجةٌ حتميةٌ لتعقيد اللغة ذاتها؛ ورأى أنّ المطالبة بالوضوح الكامل ليست بريئةً، بل هي استمرارٌ لمطلبٍ ميتافيزيقيٍّ يريد للمعنى أن يكون حاضراً وناجزاً ومُغلقاً.