الفقاعة الفيفاوية: لماذا نخسر كرة القدم؟

18 يوليو 2026
+ الخط -

تابعتُ مثل كثيرين المباراة التي جمعت بين المُنتخبَين المغربي والفرنسي. وقد كان مشروبي البارد أكثر إمتاعاً منها، ليس لأنّ المنتخب الوطني لم يظفر بنهاية سعيدة في الدور ربع النهائي من المونديال، بل لأنّ ما يسميه العالم ببساطة كرة القدم لم يعد، في احترافيته الراهنة، كما كان عليه سابقاً. ثمّة ثقل غير رياضي ومُثير للريبة ما يزال يحوم حول أطراف هذه اللعبة الجميلة؛ بل ويحرّكها من الداخل ويحرّكنا معها أيضاً في عرضه العالمي الذي يجمع الإعلام والمال والسياسة في مشهد واحد.

فعقب كلّ مباراة مُريبة ومُملّة كهذه، يفرض السؤال نفسه: هل ما زلنا نعشق كرة القدم لأنّها لعبة جديرة بالحبّ، أم لأنّنا أصبحنا جزءاً من صناعة تتقن إنتاج الشغف وتسويقه؟ أتحدّث عن هذا في معزل عن موضوع "الخبز والسيرك" الذي ما يزال مناسباً جدّاً للتعبير عن مجتمع الفرجة اليوم.

ما شهدناه من اللقاء على أرضية ملعب بوسطن في ولاية ماساتشوستس الأميركية كان بائساً إلى حدٍّ كبير. وبعيداً عن أداء الفريق المغربي الذي بدا أنّه لا يشبه سوى نسخاً تكتيكية مُعدّة سلفاً لأيّ قميص آخر، كانت المباراة عموماً تخلو من المتعة والتشويق؛ مجرّد محاولات مستمرّة للسيطرة على المساحات، وخلق الضغط الجماعي، ومنع الخصم من التفكير. يختلف هذا كثيراً عن مباريات سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حيث كان العرض الكروي يرسمُ المتعة ويحقّق الدهشة، ويخلق المباغتة وهو يوقّع الهدف المعجزة؛ كما لو أنّ مائدة الرّب هبطت، هكذا، فجأة.

قلّ الشِّعر في كرة القدم، وحلّت محلّه السرديات الكبرى

لقد انتقلنا على ما يبدو من عصر الرسامين إلى عصر الكتائب القتالية التي تسير وفق هندسة تكتيكية تُطبّق عملياً على الأرض، أي من لاعب يبتكر الحلول إلى منظومة تنفّذ التعليمات، حيث كلّ شيء قابل للقياس، ممّا يُحاصر الموهبة ويُقلّص هامش تجليها الحر. لأجل ذلك ربّما، كنت من أولئك المُشجّعين المُفترضين الذين خسرتهم كرة القدم. فشعوري بالحنين إلى زمن دييغو مارادونا نابع من شغفي بالفوضى الخلاقة والإلهامات التي كانت تومض بإشراقات جمالية، ولمسات ارتجالية داخل نظام شديد الانضباط، وفي أسلوب فني بالغ الخصوصية، تستطيع أن تميّز فيه بين المدرسة البرازيلية والهولندية أو الإيطالية وغيرها.

بينما الآن، قلّ الشِّعر في الكرة، وحلّت محلّه السرديات الكبرى. لقد أضحت كرة القدم تقليداً لعالمنا اليوم في محو الاختلاف لصالح التشابه. ألم يكن عرض المنتخب المغربي أمام فرنسا وخسارته بهدفين من دون رد، أشبه بأداء الخصم ذاته في مباراته التالية مع إسبانيا وبنفس النتيجة؟ هذا ما سمّاه المغاربة انتقاماً، لكنّني، ومع أنّني لست خبيراً في كرة الأحد عشر لاعباً، أكثر من بحثي عن فرجة غائبة، فإنّي أوعز سبب هذا التشابه إلى أسلوب الكتيبة القتالية، وهو ما يُلمس بوضوح في تقليل المخاطرة، تقليل الخطأ، ومحاولة السيطرة على كلّ الاحتمالات. فحتى الفريق الفرنسي في زهو انتصاره، لم يكن رائعاً ولا آسراً بسحر المهارات الفنية التي درجت عليها أقدام اللاعبين من دون شك، إنما أشبه بالعمالقة في الأساطير الإغريقية الذين يقتلعون الصخور الضخمة من الأرض، ويستخدمونها كسلاح.

أضحت كرة القدم تقليداً لعالمنا اليوم في محو الاختلاف لصالح التشابه

أشك، أمام هذه الاحتفالات الكبيرة التي يذكيها الترويج المُعلن، وهذا التطويق المفروض على مهارات اللاعبين، وهذا التحوّل من لعبة تصنعُ النجوم إلى نجوم يصنعون السوق والقوى الناعمة، إن كنّا شغوفين بكرة القدم أكثر من السردية الكبرى والصناعة الضخمة التي تدور حولها. هل نشاهد فعلاً المباريات كما هي أم نعيش الحدث الذي منحته لغة المُعلّقين معنى مسبقاً، وصاغته الشاشات، والإعلانات، والاستديوهات التحليلية والخوارزميات؟ أظنّ أنّنا في معزل عن الحقيقة، مجرّدين من حسّ الواقعية ذاتها. نعيش في فقاعة فيفاوية (نسبة إلى الفيفا) باتت تملك نفوذاً يتجاوز حدود الرياضة. وقد غدت، في الأخير، مرآتنا النفسية وفضاءنا الرمزي، نسقط عليه رغباتنا، هُويّاتنا القاتلة، كبرياءنا الوطني المُفرط، انتقامنا، وذهولنا المُريع أمام اللامعنى الذي تُشكّله في أفق انتظار الجماهير الغفيرة.

ليست الفقاعة الفيفاوية هنا مجرّد مبالغة بلاغية، بل وصف لما يزداد انفصالاً عن اللعبة ذاتها؛ انحرافاً عنها نحو السلطة؛ وهي تعيد "إنتاج الخطاب" بمفهوم ميشيل فوكو. أي إنّها تعيد إنتاج ما يبدو طبيعياً وبديهياً. وبمعنى آخر: كيف يجب أن تبدو كرة القدم، كيف ينبغي أن تعاش، وما هي تلك القصص الجديرة بأن تُروى؟