ذلك الغريب الذي يراقبني منذ سنوات
خرجت من المطعم تلك الليلة وأنا أشعر أنني لست وحدي. كنت أمشي بخطاي المعتادة، أفتش في جيبي عن مفتاح السيارة، وأستعيد في ذهني بعض الجمل التي قيلت حول الطاولة. لكن ثمة حضوراً لا أعرف كيف أسميه كان يسير خلفي. لا أراه، لكنني أحسّه.
لم ألتفت. لم يكن هناك ما يدعو إلى الالتفات. كنت أعرف، بطريقة لا أستطيع تفسيرها، أن الرجل الذي أشعر بحضوره يتبعني، ويسير بالسرعة نفسها، وينظر إلى الأشياء التي أنظر إليها من غير أن ينطق بكلمة.
ابتسمت للفكرة، وقلت لنفسي إن التعب قادر على أن يصنع أوهاماً صغيرة. أدرت السيارة وانطلقت، لكن الرجل ركب معي. عند الإشارة الأولى، التفتُّ غريزياً نحو المقعد المجاور. كان فارغاً. ضحكت من نفسي.
في صباح اليوم التالي، كنت في اجتماع اعتيادي، من تلك الاجتماعات التي تعرف بدايتها ولا تعرف كيف انقضت ساعتان منها. كنت أتحدث، وفجأة انتبهت إلى أنني أستمع إلى نفسي وأنا أتكلم. لم يكن ذلك إرباكاً، بل كان أشبه بمن يشاهد تسجيلاً لصديق يعرفه جيداً. كنت أختار كلماتي بهدوء، وألاحظ وجوه الحاضرين، وأدرك أنني لم أعد أتكلم لأقنع أحداً، بل لأشاركهم ما أراه. وحين خرجت من الاجتماع، كان الرجل ينتظرني عند الباب. لم يقل شيئاً، لكنه ابتسم ومضى معي.
مرّت أيام قبل أن أفهم أن هذا الرفيق الجديد لا ينوي المغادرة. كنت أجده في أماكن لم أكن ألتفت إليها من قبل؛ في لحظة صمت قبل أن أجيب عن سؤال، وفي الطريق الطويل بين مدينتَين، وفي مقهى أجلس فيه وحدي، أو وأنا أراقب المطر يهبط خلف زجاج النافذة. والغريب أنه لم يكن يثقل عليّ، بل كان حضوره يخففني.
العمر لا يأخذ العفوية، بل يحرّرها. في العشرين، كنت أريد أن أثبت نفسي. وفي الثلاثين، أن أنجح. وفي الأربعين، أن أنجز أكثر. أما الآن، فقد خفَّ هذا الضجيج كله
في شبابي، كنت أخشى أن يأتي يوم أفقد فيه تلك العفوية التي تجعل الإنسان يضحك من قلبه، ويخطئ من دون حساب، ويحب من دون خوف. لكنني اكتشفت شيئاً لم يخبرنا به أحد: العمر لا يأخذ العفوية، بل يحررها. في العشرين، كنت أريد أن أثبت نفسي. وفي الثلاثين، أن أنجح. وفي الأربعين، أن أنجز أكثر. أما الآن، فقد خفَّ هذا الضجيج كله. لم أعد أشعر أن عليّ أن أربح كل نقاش، أو أن أقول الكلمة الأخيرة، أو أن أبدو الأذكى في الغرفة. اكتشفت أن الحياة تصبح أكثر جمالاً حين تكف عن معاملتها كسباق. وربما لهذا صار الرجل الذي يسير معي أكثر ابتساماً مني. كان يعرف ما احتجت أنا سنوات طويلة لأتعلمه: أن الوصول ليس أجمل ما في الطريق، بل السير فيه.
منذ أشهر، كنت أمشي في أحد المطارات، أراقب الناس على عجلتهم المعتادة. شاب يركض خوفاً من أن تفوته الرحلة، وأب يحمل طفلته النائمة على كتفه، وامرأة تتوقف كل بضع خطوات لتتأكد من جواز سفرها. تذكرت نفسي قبل سنوات. كنت مثلهم تماماً، أركض لا لأن الوقت يطاردني، بل لأنني كنت أطارد صورة رسمتها لنفسي، وأظن أن السعادة تنتظرني في مكان ما عند نهاية الطريق.
ابتسم الرجل بجانبي. ولأول مرة، شعرت أنه يعرف تلك النسخة القديمة مني أكثر مما أعرفها أنا. لم يسخر منها، ولم يأسف عليها، بل نظر إليها بمحبة، كما ينظر الأب إلى صورة قديمة لأطفاله. عندها فقط فهمت. ذلك الرجل لم يأتِ ليحاسبني على ما مضى، بل جاء ليصالحني معه.
كل مرحلة من العمر تضيف إلينا إنساناً جديداً. نحن لا نفقد الشاب الذي كنا عليه، ولا الأحلام التي حملناها. إنهم جميعاً يسيرون معنا، لكنهم يفسحون الطريق بهدوء لمن أصبحنا عليه. وحين أنظر إلى حياتي الآن، لا أشعر أن السنوات أخذت مني شيئاً، بل بدّلت أشياء بأخرى. أعطتني هدوءاً مكان الاستعجال، واتساعاً مكان اليقين الضيق، وقدرة على الفرح بالأشياء الصغيرة لم أكن أملكها حين كنت منشغلاً بالكبيرة. أصبحت أستمتع بفنجان قهوة أكثر مما كنت أستمتع بإنجاز، وأفرح بمكالمة من صديق قديم أكثر من خبر نجاح عابر. وأعرف، كلما مرّ عام آخر، أن الحياة لم تكن تصبح أقل، بل كانت تصبح أعمق.
حين عدت إلى البيت تلك الليلة، أدركت أن الرجل الذي خرج معي من المطعم لم يكن غريباً. كان ينتظرني منذ سنوات، لكنه كان يعرف أن لكل إنسان موعداً يلتقي فيه بنفسه. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يمشي خلفي ولا أمامي، بل أصبح يمشي إلى جواري. وأظن أن أجمل ما يمنحه العمر للإنسان ليس الحكمة، ولا الخبرة، ولا حتى الهدوء، بل يمنحه رفيقاً يعرف الطريق، ويذكّره، كلما انشغل بالوصول، أن يلتفت إلى جمال الرحلة نفسها.