العقوبات السوريّة والعدالة الدوليّة

20 مايو 2025   |  آخر تحديث: 20:11 (توقيت القدس)
+ الخط -

السوريون يفرحون اليوم؟

نعم، لأنّ الفرح هنا ليس احتفاءً بعدالة مُنجزة، بل لأن الظلم قد رُفع بعد اختناقٍ طويل. لكنهم يعرفون أيضاً أن هذا الفرح ليس هدية، بل حقاً، كان نهاية طريق مُثقلٍ بدمائهم وقروحهم وآلامهم، ولا تزال فاتورته مفتوحة على المجهول. ففي منطق الهيمنة لا شيء يُمنَح بلا مقابل، وفي معادلة الإذعان لا تَساويَ لكفتي الميزان، فكفة المُذعِن تبقى طائشة. 

ومع ذلك، حُقَّ للسوريين أن يبكوا فرحاً، ولو لم يعرفوا بعدُ ما الذي سُلِبَ منهم مقابل ذلك، فالفرح لا يكون دائماً من رحم العدالة؛ فقد يولد من رَحِم القهر… وأحياناً أخرى لمجرّد النجاة.

تسهم العدالة الدولية، في سياق المعايير الدولية المُتعارف عليها، في تعزيز الاستقرار العالمي وترسيخ سيادة القانون، وردع الجرائمِ المُرتكبةِ بحقّ الإنسانية؛ لذا تعدّ ركيزةً أساسيةً في إطار التنظيم الدولي المعاصر، وأداةً حيويةً للحفاظ على السلام والمساءلة العالمية، إلا أنه وللأسف، باتت هذه العدالة الدولية مخرومة لجهة سيادة الدولة والمصالح السياسية، كما امتزجت بها صفة الانتقائية والتحيّز السياسي. وليست العدالة الدولية مفقودة لأنها لم تُصَغ بعد، بل لأنها لُجِمت عند عتبة نظامٍ لا يُقيم وزناً إلا لمنطق الإذعان.

لقد أضحى من المعتاد أن تقاس تصرفاتِ وأعمال الدول عبر إسقاطها على معايير العدالة الدولية، ولكن ما نشهده اليوم عكس ذلك تمامًا، حيث يتم إسقاط العدالة الدولية على التصرّفات الأحادية الجانب للدول، فتصبح الأخيرة هي مصدر العدل الدولي، وبالتالي انصرفت العدالة الدولية عن سياقها الطبيعي كقواعدَ قانونيةٍ مبعثها الرئيسي إحقاق العدل (ولو في مفهومه النسبي) إلى سياق آخر مضمونه "القهر والإذعان".

العدالة الدولية ليست مفقودة لأنها لم تُصَغ بعد، بل لأنها لُجِمت عند عتبة نظامٍ لا يُقيم وزناً إلا لمنطق الإذعان

لذا، يرى الفيلسوف أرسطو طاليس أنّ العدل (التبادلي أو النسبي) لا ينهض (ولو على مضض) إلا في القضاء الوطني، وحتى هذا الأخيرُ لا يخلو أحيانًا أن يكون مُبَسْتَرَاً في بعض الأحيان. فإذا كان هذا هو حال العدالة على المستوى الوطني، فمن باب أولى أنّ العدل الدولي يكون أبعدَ من هذا النهوض بكثير؛ لدرجة أنّ الدولة على الرغم من خروجها عن سياق العدالة الدولية وهي في نشوة من التباهي والتبجّح، إلا أنها تبقى متشبّثة بأهداب العدالة الدولية؛ لتبرير تصرّفاتها الإذعانية والقهرية بحيث تبدو متماشية ومعايير القانون الدولي. 

ومما لا يخفى أنّ هناك من يدعي بأنّ تحقيق العدالة الدولية بمفهومها الشامل سيؤدي إلى قلب موازين القوة وتغيير شكل النظام العالمي، مما يلزم عنه انهيار بعض الإمبراطوريات الكبرى؛ لأن مضمون العدالة الدولية يحمل في طياته منع الهيمنة التي تمتطيها هذه الإمبراطوريات الكبرى، وهذا المنع سيتمخّض عنه حرب عالميةٌ ستُعيد تشكيل النظام العالمي؛ لذا يزعم هؤلاء أن منطق الهيمنة (رغم ما انطوى عليه من ظُلمٍ) قد يسهم في الحفاظ على "توازن الردع" الذي يُنظر إليه على أنه عامل استقرار للسلم والأمن الدوليين. 

ولكن إن سلمنا بصدق هذا الطرح، فإنّ ما نَسْتَهجِنهُ هو غياب البعد الأخلاقي بشكل مطلق عن معايير العدالة الدولية، حيث أدى هذا الغياب إلى خلق حالة من الفوضى "الخلاقةِ والمرادةِ"، التي توظّف عادة لتحقيق مصالح القوى الكبرى، لا تحقيق العدالة الحقيقية. 

ببذل الجهد المستطاع وصدق السعي، ستُكشفُ لنا الآفاق، وإن كان الطغاة يُتقنون فنّ قلب الحقائق حتى تغدو الأوهام عندهم يقيناً، كذلك نحن نبصر في الألم وجه العدالة، وفي الحزن ملامح النصر، فليست العدالة ما يُمنح، بل ما يُولد من رحم المعاناة، فلا شكّ أننا نحن الأمّة المنتصرة وإن طال بنا العهد. 

أقولها أخيراً لا آخراً، ختاماً لا نهايةً، "نعم نفرح" ونحن نعلم أنّ الحديث لم ينتهِ، وأنّ القدر ما زال يبني أسواره، ولكننا أيضاً نعلم أننا بذلنا كلّ ما بوسعنا، وأدّينا ما علينا من فعلٍ وسبب، ويبقى ما لا نملكه لله، والله خير وأبقى.