الصورة المفقودة
وأسأل صديقي المغربيّ المُسِن عن طفولته فيقول لي: "لقد توفيّت وعمري ثلاث أو أربع سنوات. ليس لوالدتي أي صورة فوتوغرافية، وذكرياتي عنها غامضة، ضبابية، مُشتّتة لامرأة بلا وجه".
استوقفتني كثيراً عبارة "امرأة بلا وجه". هل يمكن تصوّر شخص من دون وجه؟ الوجه هو الهُويّة، هو التكثيف للشخص، ليس مادياً فقط، وإنّما روحياً أيضاً. كان هيغل يقول: "العينان هما مرآة الروح". شخص من دون وجه؟ أليس هذا مشهد لفيلم رعب؟ أو لمسرح جريمة قام بها المُجرم القاتل بتشويه ملامح الشخص أو قطع رأسه، فغدا بلا وجه ولا رأس؟ في العالم الغربي راحوا يستعيضون عن البصمات وجوازات السفر أو البطاقة الشخصية ببصمة العين والوجه بوصفها هُويّة ودلالة على الشخصية.
وأسأله: هل من المعقول أن لا صورة فوتوغرافية لأمّك؟ ولا حتى بطاقة هُويّة؟ فيجيبني بأنّه لم يجد، رغم محاولاته الكثيرة، أيّ صورة لها. تعكس الصورة الفوتوغرافية واقعاً أميناً كما تفعل المرآة، لكنّها، وفي الوقت نفسه الذي تلتقط فيه الحضور، فإنّها تلتقط الغياب أيضاً.
سيغدو الحاضرُ بوصفه حاضراً في الصورة غيابَ الحاضر غداً في الصورة نفسها
كان موضوع الصور الفوتوغرافية قد شغلني من قبل، فقلت لصديقي مبتعداً عن موضوع صورة أمّه المفقودة: انظر، يا صديقي، في صورة قديمة لك وقعتَ عليها فجأة بعد سنوات من التقاطها! إنّ أوّل ما ستُلاحظه فيها هو غياب طفولتك أو شبابك؛ إنّك سترى بأُمّ عينك انصراف الزمن من بين يديك. صورتك وأنت طفل تعكس لك اليوم، وأنت كهل مثلاً، أكثر من مجرّد ذلك الحيِّز الفيزيقيّ المكانيّ الذي كنت فيه واتسعت له عدسة الكاميرا؛ وهي لا تعكس فقط ذلك الإطار الذي علَّبَ سيّالة الزمن وجمّدها في لحظة مُعطاة، إنّما أيضاً (وقبل كلّ شيء) تعرض لك ذلك الحاضر الفيزيقيّ المُباشر الذي سيظهر في واقع الغد بوصفه حيزاً فيزيقيّاً ماديّاً للغياب الذي كان حاضراً يوماً ما؛ أي إنّ الكاميرا قد التقطت معاً غياب الحاضر المادي والحاضر المادي في الوقت نفسه. هكذا سيغدو الحاضرُ بوصفه حاضراً في الصورة غيابَ الحاضر غداً في الصورة نفسها. لقد غاب الزمان والمكان بينما التقطت الكاميرا غيابهما وأبرزته، لقد التقطت الغياب الماديّ. إنّ الكرسيّ الذي تجلس عليه في الصورة قد يكون تكسّر ورُمي أو بيع، وحتى لو كان لا يزال موجوداً فسيكون شاهداً "حيّاً" على غياب ما كان حاضراً يوماً؛ أي على الغياب ودليلاً عليه. انظر في صورة أصدقاءٍ قُدامى لك وستقفز في وجهك أولاً صورة صديقٍ حاضر معكم في الصورة، ولكنّه غائب عن الحياة اليوم. نعم إنّك ترى حضوره الماديّ المُعطى لحظة التقاط الصورة، ولكن ما تراه أكثر وبشكل أسرع هو غيابه في الصورة، وهذا ما يؤلم ويجعل الناس يبكون عند رؤيتهم صورة الغائب أو صورة الغياب. الصورة تؤطّر هنا غياباً ما ونقصاً في الوجود والحضور فنتألم ونحزن ونلتاع؛ فالغياب هو الفراغ. الحُضور لا يُبكي ولا يُحزن بل يُشعركَ بالهدوء والسلام والطمأنينة. الحضور امتلاء، شبع، تُخمة ونسيانٌ غير مقصود أو غير واعٍ.
اذهب إلى حفلة تتوقّع حضور ووجود امرأةٍ ما فيها، وقد ذهبت خصيصاً لتراها. إذا كانت غير موجودة في الحفلة فإنّ غيابها هو ما سيفتح لك الباب ويُلاقيك وجهاً لوجه، حاجباً وجوه وملامح كلّ الحاضرين الذين تشابهوا في غيابها.
أنت تبحث عن الغياب في الحضور وعمّا هو غائب في الصورة، بينما أبحث أنا عن حضورٍ في الغياب، عن صورة بما تُظهر وما تُخفي
استفق في الصباح وانظر في المرآة ترى وجهك "مجعلك" وشعرك منكوشاً فتفتقد وسامتك على الفور وجمالك وأنت مغسولُ الوجه، حليقُ الذقن، مُسرَّحُ الشَّعر، حسنُ اللباسِ. إنّ ما عكسته مرآةُ الصباح لك ليس فقط حضورك الزومبيّ بقدر ما هو غيابك الوسيم أولاً. إنّه الغياب الذي يحايث الحضور، بل ويتقدّمه.
يستخدم المحقّقون الصور الفوتوغرافية لمشتبهٍ بهم ولضحايا الجرائم. هم لا يبحثون بها عن شيء حاضر بشكل مباشر إلا لتأكيد شكوكهم. بيد أنّهم يلجأون إليها أولاً للكشف عمّا غيّبه الحضور أو عن غيابٍ يشي لهم بالقاتل وبالطريقة التي تمّت بها الجريمة. إنّهم ـ ومن دون أن يكونوا على وعيِّ بذلك قط ـ يبحثون عن دليلٍ غائب فيزيقي في الصورة يدينون به الفاعل من دون أن تكون لديه القدرة على الإنكار أمام دليل مماثل قاطع كهذا.
بعد هذا الاستطراد الطويل: قال لي صديقي حزيناً: أنت تبحث عن الغياب في الحضور وعمّا هو غائب في الصورة، بينما أبحث أنا عن حضورٍ في الغياب، عن صورة بما تُظهر وما تُخفي. أمضيت عمري أبحث عن صورة أعيد بها بناء وجه أمي؟ عن صورة أستبدل بها تلك الظلال الشبحية بملامح واضحة ترسم وجهاً يُعيد به السلام لطفل هرم، وهو لا يزال يحاول رسم ملامح وجه أمّه الضائع؟