السودان: من ربيع الثورة إلى رماد الحرب

13 ديسمبر 2025
+ الخط -

نجحت ثورات الربيع العربي في كشف رغبة جماهيرية واسعة بالتغيير، وطموح شعوب عربية للخلاص من أنظمة شمولية وفساد ممتدّ لعقود. لكنّ الحقيقة الأكثر إيلامًا أنّ هناك من استخدم هذا الحراك الشعبي وقودًا لأهداف سياسية أخرى؛ فبينما كانت مطالب الشعوب صادقة، لم تكن كلّ القوى السياسية التي تفكّر في استلام السلطة مؤهّلة أو راغبة في ترجمة تلك الآمال إلى رؤية دولة مستدامة.

في السودان، أزاحت ثورة 2019 نظامَ الإنقاذ الذي حكم البلاد قرابة ثلاثين سنة، ودفعت شريحة واسعة إلى التفاؤل بخريطة جديدة للسلطة، إلا أنّ غياب رؤية عامة موحّدة بعد إطاحة عمر البشير جعل البلاد عرضة لصراعات مُلتهبة، والنتيجة كانت مأساوية، إذ تحوّل الأمل إلى مأزق، والنزاع السياسي إلى حرب، أثّرت في كلّ مناطق البلاد وجرّدتها من الاستقرار الذي كان الشعب يطمح إليه.

المشهد السياسي الحالي في الخرطوم يُسوَّق أحيانًا على أنّه صراع بين "نظام سابق يريد العودة بالسلاح" و"قوّات متمرّدة تسعى للسيطرة"، مع وجود طرف ثالث يدّعي الحياد. وهذا التقديم الإعلامي المُبسّط، سواء على مستوى الأحزاب السودانية أو وسائل إعلام إقليمية، قد أخطأ في تشخيص جذور الأزمة لأسباب كثيرة، فصار المجتمع الدولي يواجه صعوبة في تبنّي حلول واقعية لأنّ قراءة الواقع الميداني ناقصة أو منحازة. والضحية الأولى، كما يحصل دائمًا، هو المواطن السوداني في كلّ أقاليم البلاد.

أيّ ترتيب سياسي لا يأخذ بصوت الشارع السوداني ونزعاته الديمقراطية لن يُكتب له النجاح

لمن يراهن على معادلة "كلّ الأطراف متساوية" ينبغي عليه زيارة ساحات المدن والقرى، فالواقع الميداني يؤكّد أنّ تجربة حياة المواطن في مناطق سيطرة الجيش ليست نفسها في مناطق تسيطر عليها قوّات الدعم السريع، حيث تسود الفوضى وتغيب مؤسسات الدولة في أماكن مليشيات الجنجويد، لذلك لا تصحّ المساواة في التوصيف، ولا يجوز تجاهل ما تعرّض له الناس من عنف وجرائم موثّقة من جنود الدعم السريع أنفسهم .

أما عن التدخّلات الخارجية، فثمّة أدلة على وجود تغطية ودعم لوجستي لمليشيا الدعم السريع؛ وهذا يعقّد أيّ حل مُمكن ويحوّل أيّ خيار عسكري إلى صراع مطوّل ما لم تمتنع الجهات الدولية عن تسليح هذه القوّات المُتمرّدة على الدولة السودانية، وحين تتحوّل معارك الداخل إلى أدوات في أيدي لوبيات إقليمية أو دولية، يصبح السودان رهينة مشاريع لجهاتٍ أخرى لا يهمّها أمنه واستقراره بل تقاطعات مصالحها فقط .

أيّ حلّ وسط يُشرّعن العنف ويمنح مرتكبيه غطاءً سياسيًا لن يجلب للسودان إلا مزيدًا من النزوح والفوضى لاحقًا

من زاوية الحقوق والعدالة، لا تُمكن طمأنة المجتمع السوداني إلا عبر مساءلة واضحة ومحاسبة لمن ارتكبوا الجرائم، حتى إن كان من الجيش نفسه، كما أنّ أيّ ترتيب سياسي لا يأخذ بصوت الشارع السوداني ونزعاته الديمقراطية لن يُكتب له النجاح، حتى وإن أيّدته قوى إقليمية أو غربية، ثقة الشعب لا تُستعاد بقرارات مصطنعة أو بصفقات تُعقد على حساب ذاكرة المعاناة.

بالنسبة للمجتمع الدولي، فإنّ التعامل مع ظاهرة مثل قوات الدعم السريع يتطلّب قرارات واضحة، إمّا عزلها ومساءلة عناصرها وتصنيفها حركةً إرهابيةً بصورة واضحة، أو إعفاء قادتها الكبار ونفيهم خارج السودان بعد حلّ المليشيا. وهذا الحل قطعاً لن يوافق عليه الشعب السوداني لما لقيه من معاناة وظلم وضغينة يحسّ بها الآن تجاه الجنجويد وقياداتهم، أمّا الحديث عن أيّ حلّ وسط يُشرّعن العنف ويمنح مرتكبيه غطاءً سياسيًا فلن يجلب للسودان إلا مزيدًا من النزوح والفوضى لاحقًا.

في الختام، ثورة ديسمبر في السودان لم تكن خطأً؛ الخطأ على من تسلّق على نتائجها ومكاسبها، فهم لم يكونوا منسجمين مع روح الثورة وأحرارها، بل كانوا أشبه بالأدوات الهدّامة التي تعمل لمصالح الآخرين وليس لمصلحة شعب السودان. الحل الحقيقي يبدأ بتصنيف دولي لقوات الدعم السريع باعتبارها مؤسّسةً إرهابيةً إجراميةً ووقف أيّ دعم لها وإخراجها من أيّ مشهد قادم أو مستقبلي في السودان. بعد ذلك يمكن التفرّغ لبناء مؤسسات دولة قوية، وإشراك الشارع السوداني في كلّ خطوة سياسية، من دون ذلك، سيبقى السودان يتقاسم أكواخ الأمل مع رماد الحرب.