السلطة والحب من طرف واحد

20 سبتمبر 2020
+ الخط -

كان لي في ما مضى "صديق" عاشق، وقد تتساءلون بعد الانتهاء من قراءة هذا النص ما طبيعة علاقتي بهذا الشخص، ولماذا أطلق عليه صفة صديق دون غيرها، لكنّي لن أجعل الشك يتسلل إلى عقولكم، وسأبين لكم الآن أنّي لم أجد كلمة أخرى أصف فيها طبيعة علاقتي به، فهو كان قدراً مكتوباً علي، دعوني أخفف من وطأة هذا الوصف وأسميه صديقاً بحكم الجغرافيا.

يعيش صديقي هذا قصة حب "من طرف واحد" منذ أن بدأت مداركه بالتشكل، فهو عاشق متيم للسلطة القمعية وجميع أركانها من عسكر وحزب ورجال دين، ويخيل إليك إذا جالسته أنه واحد منهم، أو أنّ لحبه الشديد هذا سببا وجيها، فقد يكون صاحب امتيازات أو وظيفة، أو أنّه على أقل تقدير مُكره، أما الحقيقة المُرّة هو أنه لا هذا ولا ذاك، بل هو عاشق متطوع بملء إرادته.

فمنذُ طفولته المبكرة كان طليعياً ملتزماً، وظهرت عليه علامات المواطن المستقبلي الصالح، فقد شغل منصب "نائب عريف الصف" في الصف الثالث الابتدائي وهو المنصب الذي يتم تكليف صاحبه أحياناً بقرار من عريف الصف نفسه ولايتم الرجوع فيه الى الأستاذ نظراً لتفاهة هذا المنصب، أما منصب عريف الصف فكانت تشغله بجدارة طالبة ذكية وقد استحقت هذه المكانة نظراً لتفوقها الدراسي إلى جانب انضباطها السلوكي فضلاً عن خلفية عائلتها النضالية، بينما استغل صاحبنا هذا العلاقة الطيبة التي تربط عائلته بعائلة العريفة ليستولي على هذا المنصب بسيف الحياء، لكنه لم يبق فيه لمدة طويلة اذ أعفي لقضايا تخص الأمن القومي للصف، ثم تقلد بعدها منصباً آخر لكن هذه المرة كان المنصب ذا طابع عسكري، وهو "عضو لجنة انضباط " وكان عليه أن يلبس رباطًا أحمر اللون في كتفه ويضع يديه خلف ظهره ويقف شامخاً مباعدًا بين قدميه، مسجلًا أي تجاوزات تُنبِئ بالخروج عن سياسة القطيع، ولصعوبة لفظ هذا اللقب كان التلاميذ يستخدمون اختصاراً له ويطلقون عليه اسم " الفاسود" أي المخبر.

تبين لاحقاً أنه اعتقل بتهمة تشابه الأسماء وتعرض للتعذيب، وبدأ يحدثنا عن تفاصيل الاعتقال ولكنه لم يلبث أن يؤكد بما لايدع مجالاً للشك بأنّ المخابرات عاملوه بشكل جيد وأنهم اعتذروا له وقالوا له " لا تواخذنا"

وفي المرحلة الإعدادية لاحقاً، سُجِّلَ له موقف بطولي، فقد انطلق الشبيبي ذو الخمسة عشر عاماً من بيته واتجه نحو رفاقه الذين كانوا يلعبون كرة القدم في ساحة الحي ورمقهم بنظرة الموبخ والمشكك وصاح فيهم " تلعبون والرئيس ميت! "، كان ذلك يوم موت حافظ الأسد، وعلى مايبدو أن هذا الطفل بدأت تظهر عليه ثمار التربية العقائدية المتفردة.

مع بلوغ هذا المناضل مرحلة النضج العقائدي، أصبحت تلازمه صفة "الاعتيادية"، بالطبع لن يفاجئك هذا الرجل بخروجه عن اعتياديته، فليس له سمة خاصة تميزه عن أقرانه، ومن حديثك معه تستطيع أن تستشف ما سيقول وما سيرد، فهو من ذلك النوع السخيف الذي إذا قلت له "مين؟ " سيجيبك بضحكة بلهاء " أبو أمين " فهو يستخدم أكثر العبارات اعتياديةً وتكراراً وسطحيةً، حتى تظن أنك تتحدث الى روبوت، هو هكذا سيد الاعتيادية، في كلامه وتصرفاته ولباسه وحياته.

إلا أن صاحبنا وعلى مافيه من اعتيادية، له صفة فارقة قد تخرجه أحياناً من هذه الدائرة بمعناها الأوسع، لتدخله بدائرة النمطية الشخصية، وهي كثرة حديثه عن النساء بل أكاد أجزم أنه لا يعرف حديثاً آخر غير الحديث عن النساء، وله مقدرة عجيبة على توجيه دفة الحديث من السياسة والاقتصاد والدين الى الحديث عن النساء والجنس، فإذا حدثته عن السياسة سينقلك الى باب الفضائح الجنسية عند السياسيين، وإذا حدثته عن الاقتصاد سيحدثك عن دور الدعارة في الاقتصاد الدولي، وإذا حدثته عن الدين فإنّه حتماً سيحدثك عن الضوابط الشرعية لليلة الدخلة. أذكر ذات مرة أنّي دخلت عليه ووجدته يشرب ماء الخل، فسألته عن السبب فجاوبني بغمزة وابتسامة ماكرة "مشان الشو اسمه!"، وكان علي أن أخمّن ماهو "الشو اسمه" بناء على معرفتي السابقة باهتماماته.

بعد إنهائه المرحلة الثانوية بمرتبة "شحط"، قرر أن يكلل حسه الوطني العالي، بالانضمام الى سلك الأمن، لكنه لم يجتز اختبارات القبول، والسبب أيضاً كان " اعتياديته"، فلم يكن يمتلك أي مقومات جسدية أو اجتماعية خاصة تمكنه من أن يكون عسكرياً مخلصاً للوطن.

بعد انطلاق الثورة في سورية، غادر "الاعتيادي" للعمل خارج البلاد وعند مروره بمناطق سيطرة النظام تم اعتقاله وانقطعت أخباره لمدة شهرين متتاليين، خرج بعدها ورجع الى بيته وعدَل عن فكرة السفر، وتبين لاحقاً أنه اعتقل بتهمة تشابه الأسماء وتعرض للتعذيب، وبدأ يحدثنا عن تفاصيل الاعتقال ولكنه لم يلبث أن يؤكد بما لايدع مجالاً للشك بأنّ المخابرات عاملوه بشكل جيد وأنهم اعتذروا له وقالوا له " لا تواخذنا"، وكان يرجع سبب اعتقاله إلى اعتيادية اسمه، فقد كان يقول أن اسمه كان كثير الشيوع، وأن من واجب المخابرات أن تتأكد وتتحرى.