الرسالة تدمّر نفسها

06 ديسمبر 2025
+ الخط -

شيءٌ ما في الاستقبال الشعبي الفولكلوري للبابا لم يكن فولكلورياً تماماً. نوع من جديّة في المشاعر، كما في نظرة رجاء، أو ترحيب صادق نابع من القلب.

من مطار بيروت إلى الشوارع التي اصطفّ فيها اللبنانيون على الجانبين ملوّحين بعلم بلادهم المُتعب، إلى أشكال الترحيب الدينية غير المسيحية، كما في كورال الإنشاد الصوفي المسلم خلال محطّة ساحة الشهداء، أو اصطفاف كشّافة المهدي من طريق المطار إلى مشارف بعبدا مروراً بضاحيتهم المجروحة والمُستباحة سماؤها كما كلّ البلاد، كان هناك "هجوم" مواطني للترحيب بالبابا لاوون الرابع عشر، إلى درجة انتشرت فيها نكات تشكر "إخوتنا المسيحيين لمشاركتنا استقبال قداسة الحبر الأعظم"، أو فيديوهات تحثّ "حسن وأحمد على الإفساح في المجال ل "طوني وشربل" كي يتقدّموهم في صفوف الترحيب بالبابا الزائر.

كانت الأجواء كالعيد، حتى إني، وقد "تمْسَحت" فولكلورياً منذ زمن بعيد، تأثّرت بجدية وبراءة هذه المشاعر التي كان اللبنانيون يعبّرون عنها في جو طفولي.

ربّما كان مردّ هذه الجدية شعور حقيقي بخطر وجودي بات يعتري أفئدة اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، وإحساسهم بإنّهم متروكون من كلّ الكوكب، إمّا عجزاً أو تواطؤاً أو لامبالاة. خاصة في ظلّ وجود سلطة أقلّ كفاءة من مواجهة هذه المرحلة الخطرة، خصوصاً وأنّها تدين بمناصبها للخارج.

شعور حقيقي بخطر وجودي بات يعتري أفئدة اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين

لا شيء كان يُزعزع إحساس اللبنانيين بثبات أرض وطنهم تحت أقدامهم: لا زلزال الحرب الأهلية اللبنانية، ولا الهزّات الارتدادية لاتفاق الطائف. لا الاعتداءات الإسرائيلية المتُكرّرة منذ إيجاد الكيان، ولا التغيّرات الإقليمية الخطيرة منذ الخمسينيات، ولا حتى الانهيار الاقتصادي الأخير. أمّا اليوم فيبدو كما يُقال بالعامية، أنّهم أحسّوا "بالسخن" للمرّة الأولى. والأرجح أنّهم على حق.

ففضلاً عن منطقتنا، العالم، لا بل الكوكب في حالة سيولة. لا احترام لحدود ولا لسيادة، ولا لحقوق، ولا لأعراف، ولا لأنظمة وتشريعات. حتى إنّ الإسرائيليين، الذين تغوّلوا أكثر من أيّ وقت مضى، بدأوا يناقشون "تحديث" اتفاقية سايكس بيكو المؤسِّسة لخرائط المنطقة، والتي، حسب ما يقولون، عفا عليها الزمن! أي؟ إنّهم يريدون إعادة رسم الحدود والخرائط بما يضمن لهم الهيمنة على المنطقة والاستيلاء على أهم مصادر المياه والطاقة أينما وصلت أيديهم الطويلة، المُزدادة طولاً وتطاولاً بغطاء أميركي.

من هنا جاء هذا القلق الشعبي الجدي، رغم اللبوس الفولكلوري الذي عبّر به الناس عن حفاوتهم بهذه الزيارة التي سلّطت الأضواء على بلادهم في سياق إيجابي للمرّة الأولى منذ زمن طويل. وهم معذورون، أقصد في فولكلوريتهم، كونهم غير معتادين التعبير بطريقة أخرى، ولا يعرفون مصطلحات غير تلك التي تعلّموا أنها تَلقى آذاناً صاغية من الخارج.

العالم، لا بل الكوكب في حالة سيولة. لا احترام لحدود ولا لسيادة، لا لحقوق ولا لأعراف ولا لأنظمة وتشريعات

لذا تراهم حين يريدون مخاطبة هذا الخارج يستخدمون تلك المصطلحات كالتنوّع والحوار و"اعطونا السلام وخذوا ما يُدهش العالم"، كأنما السلام يُعطى ولا يؤخذ بتوازن القوى. أو الأكثر تداولاً: الفخر بالتعايش بين الطوائف اللبنانية. كما لو أنّ التعايش، بما يعنيه واقعياً ولغوياً من اصطناع أو بذل الجهد للبقاء سوياً، هو شيء جيّد حين نكون أبناء وطن واحد.

المهم، كان هناك فرح حقيقي، عزّز الشعور به خلال الزيارة، غياب مُسيّرات إسرائيل التجسّسية، أو لنقل التخفيف من وجودها الظاهر إلى الحدّ الأدنى فوق بيروت وضاحيتها. وهذا الغياب كان مدعاة للتساؤل عن كواليس هذا الامتناع الذي لا يشبه سلوك العدو الوقح والعدواني. فهل كانت هناك تفاهمات أدّت الى ذلك؟ ومن الذي "تفاهم" مع الإسرائيليين؟ الأميركيون؟ الفرنسيون؟ أو دولة الفاتيكان نفسها؟ بالمناسبة، لم أفهم يوماً لم تكون للكثلكة دولة! ما علينا.

أنفقت الحكومة اللبنانية على استقبال البابا 15 مليون دولار. وأنا، عكس كثيرين، لم أستأ من هذا الإنفاق غير الضروري لبلاد مُنهارة اقتصادياً، ومُحاصرة مالياً. فلقد أفرحت زيارة الحبر الأعظم الشعب اللبناني برمّته، وأخرجته، ولو لمجرّد يومين، من حداده وغضبه على ما آلت اليه أحواله.

لكن استغلال السلطة لهذه الزيارة للفوز بغطاء لخطايا ارتكبتها فور مغادرة الضيف، أقصد خضوعها لطلب إسرائيل برفع مستوى التفاوض معها في لجنة "الميكانيزم" من تقني عسكري إلى سياسي ديبلوماسي، ولو بشكل غير مباشر (لن يلبث مع سلطة خاضعة أن يصبح مباشراً)، أعادنا شعبياً إلى الصفر النفسي.

مللنا من كون لبنان رسالة، وكلّ ما نريد هو أن نكون مجرّد بلد

فهذه السلطة الضعيفة، والتي لا تجرؤ حتى على المراوغة الدبلوماسية، وقد سبق وتنازلت عن الكثير من حقوق مواطنيها البحرية والبرية والجوية، لا بل عن مواطنيها شخصياً، كما في امتناعها عن مقايضة أسير للعدو بأحد أسرانا، وأطلقته مجاناً، هذه السلطة لن تقودنا إلا إلى دمار وجودي.

خلال زيارة البابا، وتحديداً أثناء اللقاء المسكوني في ساحة الشهداء بعد محطّة الصلاة عند مرفأ بيروت لضحايا أكبر انفجار غير نووي في التاريخ، اقتبس بطريرك الكنيسة السريانية الكاثوليكية الانطاكية، إغناطيوس يوسف الثالث يونان في كلمته، وصف البابا يوحنا بولس الثاني للبنان بأنه "ليس مجرّد بلد وإنّما رسالة".

حسناً، مع أنّها صياغة لغوية جميلة، لكنّي فكّرت بمعناها لأوّل مرّة بالأمس: لم يكون لبنان رسالة وليس مجرّد بلد؟

هل يقصد البابا القول إنّ لبنان بـ"تعايش" مكوّناته الطائفية، الذي أنتج تاريخياً، مُحاصصة طائفية لا بل مذهبية، مُفسدة لمؤسّسات الدولة، هو بمثابة مثال ورسالة؟ لكن، هناك بلدان كثيرة تفوقنا تنوّعاً فلم نكون نحن الرسالة؟

ها هي الصين مثلاً: بلاد فيها أكثر من 150 طائفة ولغة وقومية، لم نسمع يوماً أنهم "يتعايشون"، بل يعيشون مع بعضهم كما في أيّ بلاد طبيعية. فلتكن الصين هي الرسالة، أما نحن فلقد مللنا من كوننا كذلك، وكلّ ما نريد هو أن نكون مجرّد بلد.

في الماضي، كان هناك مسلسل أميركي شهير يُعرض على تلفزيون لبنان بعنوان Iron side، أي "الرجل الحديدي". كان بطل المسلسل يستلم عادة أمر مهمّته السرية عبر تسجيل صوتي ينتهي دائماً بالعبارة التالية "الرسالة تدمّر نفسها". ثم نشاهد احتراق شريط التسجيل ذاتياً.

أجدنا اليوم كلبنانيين، تماماً مثل رجل المسلسل، استلمنا مهمّتنا منذ "استقلالنا"، وهي أن نكون "لبنان الرسالة"، لكن تبيّن أنّ تنفيذ تلك المهمة، بالمكوّنات الدستورية والعورات البنيوية في نظامنا الطائفي التي تركها لنا الانتداب، عصيّ فعلاً. إلا إن كان، كما هو اليوم، على حساب بناء الدولة.

لذا ربّما كنا نشهد اليوم النهاية المنطقية لهذه المهمّة المستحيلة، حيث الرسالة، كما في المسلسل تماماً، تدمّر نفسها وتدمّرنا معها.

ضحى شمس
ضحى شمس
كاتبة وصحافية لبنانية.

مدونات أخرى