الذاكرة.. مستبدّة ومظلومة

14 يوليو 2026
+ الخط -

أنسى أين وضعتُ الأشياء، أنسى أين لم أضعها. أنسى كم مرّ من الوقت وأنسى كم تبقّى منه. يتّصل ابني بي ويقول إنّه عند جسر الأوّلي، طيّب، سيستغرق ثماني دقائق ليصل، ولكنّه بعد ثوان فقط يقرع الباب من دون أن أفتح له لأني خرجت إلى حديقة جارتي أقترض بعض الحبق وأخبرها بأنّ ابني سيصل بعد خمس دقائق. أسمع قرع بابي من حديقة جارتي. أسمع ولداً ينادي بحنق وتوسّل: "ماما! ماما! افتحي". معقول؟ أنا؟ هذه الماما أنا؟ هل مرّت الدقائق الثماني؟ أفشل في تقدير الوقت، يفشل الآخرون في فهم ما يجري في عقلي، أفشل أنا في فهم ما يجري في عقلي. 

مطلع كلّ شهر أنسى دفع فاتورة الإنترنت عبر "ويش". يصلني تحذير من أنّهم سيقطعون الإنترنت عن البيت. أعتذر وأدفع وأعتذر. كلّ أسبوع أحرق الشعيرية، أرميها في القمامة وأحاول من جديد. أحياناً أحرقها مرّتين مُتتاليتين. كلّ يوم، كلّ صباح، أحرق قطعة التوست التي آكلها مع اللبنة. طعم اللبنة بات ملازماً لطعم حريق "الساوردو". سيهديني ابني "توستر" كهربائية. هل هناك شيء شبيه لكلّ ما أنساه يحترق في المطبخ... وفي عقلي؟ 

لكنّي لست وحيدة. أسمع في كلّ مكان الشكوى نفسها. الكلّ يشكو من ذاكرته ويتّهم نفسه بالخرف المُبكّر. 

الكلّ يشكو من ذاكرته ويتّهم نفسه بالخرف المُبكّر

لا أوافق من يدّعي أنّ نسياننا عائد للقاح الذي تجرّعناه زمن كوفيد 19. قبل اللقاح كنت أنسى وكانت أمّي تنسى وكانت جدّتي تنسى وأخي وزملائي... لا يريحني تعليق الأمر على شمّاعة المؤامرة الرأسماليّة والنظام العالميّ الجديد. 

أنا أنسى أكثر اليوم ممّا كنت أنسى وأنا شابة، وأكثر ممّا كنت أنسى وأنا طفلة، أنسى اليوم أكثر ممّا نسيت أمس، لأنّ الذاكرة تعمل هكذا، تتعب مع الوقت، تترهّل وأيضاً تكتظّ حدّ التعطّل، تماماً كما تعمل ذاكرة هاتفي. 180 جيغا من أصل 200. صار هاتفي الذكيّ بطيئاً وغبيّاً. ينصحني مشكوراً "بتنظيف الذاكرة" و"محو المواد الثقيلة" و"إفراغ المساحة". جميعها عبارات تستقرّ في رأسي بنبرة فلسفيّة. 

أحفظ الكثير من المقالات والتحقيقات والبحوث في ذاكرة هاتفي. يجب أن أقرأها مراراً قبل أن أنساها. أتعرّض لهجوم من المعلومات اليوميّة، أُراكم كلّ ثانية ذكريات جديدة، أبحث طوال الوقت عن ذكرى هنا ومعلومة هناك... أرهق ذاكرتي.

الذاكرة ضحيّة مهيضة، ليست هي من يخذلنا، بل نحن من نفعل

إنّه النظام العالميّ في الحقيقة. هذا الفيضان الهائل من المعلومات والأبحاث والقصص والأخبار... سببه هو الثورة التكنولوجية والمعلوماتية. الذاكرة ضحيّة مهيضة، ليست هي من يخذلنا، بل نحن من نفعل. نحمّلها الكثير من العبء ونحمّلها ذنوبنا وتقصيرنا. تلك الزاوية الصغيرة في أدمغتنا نجعلها حقل تجارب في الأدب والفن وعلم النفس والأعصاب، وها نحن نحوّلها لفأر تجارب ملتصق في زاوية القفص المخبري.  

مثل ذاكرة الهاتف الذكي، تحتاج ذاكرة البشر إلى تنظيف وترتيب والتخلّص من الشوائب والكراكيب غير المفيدة، التي تعيق المرور وتشوّش على الصفاء. لو أنّني أدخل إليها وأبدأ بتعيين الذكريات الفائضة عن الحاجة، والتي أكرهها والتي تكرهني، وأضغط "ديليت" فتذهب إلى القمامة، حيث لديها شهر واحد قبل أن تُمحى نهائياً. صحيح أنّ بعض التمارين الذهنية تنفع، ولكن النوم هو الأنجع. فالذاكرة تحتاج إلى النوم، لأنّنا حين ننام يقوم العقل بتنظيم أفكارنا وذكرياتنا ومعلوماتنا وكلّ ما صادفناه في النهار، يرتّبه في أدراج الذاكرة المُنظّمة لنستعمله حين نحتاج إليه. أنا المُتعَبة وذاكرتي المُتعَبة أكثر منّي نحتاج إلى النوم، وإلا تحوّل أمسنا إلى فوضى غائمة الملامح ككلّ أمس مضى من دون نوم كافٍ. 

والذاكرة، قبل أن تحتاج إلى النوم وتمارين التذكّر وألعابه تحتاج إلى الرأفة والحنو. أن نضعها في السرير آخر النهار الشاقّ ونغطّيها بنسيج قطني ناعم ونغنّي لها أغنية رقيقة تنتهي بالسعادة والرضا ثمّ نتمنّى لها ليلة هانئة. نعم الرأفة والحنو والرقّة، إلى نقيض كلّ ما تعرّضت له في اليقظة.