الذاكرة الجمعية... من يحلم فينا حين نحلم معاً؟

18 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 19:33 (توقيت القدس)
+ الخط -

يقول جورج أرويل في روايته "1984": "من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي".

من الذي يتذكّر حين تتذكّر أمّة بأكملها؟ من الذي يحزن حين تبكي مدينة على أطلالها؟ وهل يمكن أن يكون للذاكرة صوتٌ جماعي، مثلما للإنسان صوتٌ وذاكرة فردية؟ ثمّ، ما الذي يجعل ملايين الأفراد المختلفين يشعرون بأنّ لهم ماضيًا واحدًا وجرحًا واحدًا؟ أهي المصادفة أم نوع من الحلم الجمعي الذي لا يصحو منه أحد؟

هذه الأسئلة تُوجّه النقاش نحو الذاكرة الجمعية بوصفها ميدانًا للفكر الاجتماعي والفلسفي، حيث تتقاطع السردية التاريخية مع تشكيل الوعي الجمعي، فالذاكرة لا تُختزن في العقول الفردية فحسب، بل تُعاد صياغتها داخل الأطر الرمزية والثقافية التي تحدّد ما يُروى وما يُنسى.

يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس، في كتابه "الذاكرة الجمعية"، أنّ الذاكرة الفردية تتغذّى من الذاكرة الجمعية، وأنّ الإنسان لا يتذكّر خارج الجماعة التي ينتمي إليها، لأنّ الأطر الاجتماعية تمنح التذكّر معناه واتجاهه، فالماضي لا يعود كما كان بل كما يُعاد استحضاره داخل منظومة القيم والمُعتقدات السائدة. هكذا، يتجاوز فعل التذكّر البعد النفسي نحو بعدٍ ثقافي تتشكّل فيه هُويّة الجماعة وتُعاد صياغة سرديتها التاريخية.

 لا تُختزن الذاكرة في العقول الفردية فحسب، بل تُعاد صياغتها داخل الأطر الرمزية والثقافية التي تحدّد ما يُروى وما يُنسى

الوعي الجمعي في هذا السياق يمثّل، وفق عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، "مجموع المعتقدات والمشاعر المشتركة بين أفراد المجتمع"، إنّه الضمير الأخلاقي الذي يُنظّم العلاقات بين الأفراد ويجعل من الجماعة كيانًا مُتماسكًا، وكلّما كانت الذاكرة الجمعية أكثر رسوخًا، ازداد حضور الوعي الجمعي الذي يحافظ على استمرارية الهُويّة عبر الزمن. فالتاريخ المُشترك يتحوّل إلى أساسٍ لنسق من المعاني المُشتركة، تُبنى عليه مفاهيم الانتماء والشرعية والمصير.

ويُضيف الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان"، أنّ الذاكرة ليست استحضارًا آليًا للأحداث، بل "فعل تأويلي يستعيد الماضي في ضوء الحاضر". هذا البعد التأويلي يجعل الذاكرة مجالًا لبناء المعنى أكثر من كونها استعادة للوقائع. فكلّ جيل يعيد قراءة تاريخه من موقعه، ويُعيد صياغة ذاكرته وفق حاجاته الرمزية والسياسية. ومن ثمّ، يتكوّن الوعي الجمعي بوصفه فعلًا تأويليًا مُستمرًا يربط بين الماضي والحاضر، بين التجربة والتأمل.

كلّما كانت الذاكرة الجمعية أكثر رسوخًا، ازداد حضور الوعي الجمعي الذي يحافظ على استمرارية الهوية عبر الزمن

تُظهر التجارب التاريخية أنّ الذاكرة الجمعية تتحوّل إلى قوّة رمزية قادرة على تشكيل السلوك الجماعي. ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أُعيد بناء الوعي الجمعي على أساس "الاعتراف بالذنب"، وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس حين دعا إلى "ذاكرة نقدية لا تمجّد الماضي، بل تحاكمه". هذه الذاكرة التحليلية لم تكن نكوصًا نحو الماضي، بل محاولة لإعادة تأسيس الوعي الجمعي على مبادئ المسؤولية الأخلاقية.

من جهة أخرى، جسّدت التجربة الرواندية بعد 1994 نموذجًا آخر، حيث جرى توظيف الذاكرة بوصفها آليةً للشفاء الاجتماعي عبر طقوس الاعتراف الجماعي، لأنّ الذاكرة هنا لم تعد حنينًا، بل ممارسة علاجية تسعى إلى إعادة الثقة داخل الجماعة. وهكذا، تتخذ الذاكرة الجمعية أشكالًا متعدّدة تبعًا لسياقاتها الثقافية والسياسية، وتتحوّل إلى مرآةٍ للوعي الجمعي في كلّ مرحلة من تاريخ الأمم.

أمّا عالم النفس كارل غوستاف يونغ، فقد قدّم مفهومًا مختلفًا للوعي الجمعي، إذ رأى أنّ هناك طبقة أعمق من النفس الإنسانية تُسمّى "اللاوعي الجمعي"، وهي لا ترتبط بذاكرة جماعة محدّدة، بل تُعبّر عن ميراث رمزي مُشترك للبشرية جمعاء. هذا اللاوعي يحتوي على الأنماط الأصلية (Archetypes) التي تتكرّر في الأساطير والأديان والأحلام، مثل صورة الأم، والظل، والبطل، والشيخ الحكيم. هذه الرموز ليست نتاج تجارب فردية، بل تمثّل بنى فطرية تسكن الوجدان الإنساني وتوجّه تصوّراته وسلوكياته.

استعادة الأصوات المقموعـة وإحياء الأحداث المحجوبة تُعيد التوازن إلى الوعي الجمعي وتوسّع حدوده

يُمكن النظر إلى الوعي الجمعي عند يونغ باعتباره شكلًا عميقًا من الذاكرة الكونية، ذاكرة لا تُحيل إلى حدثٍ تاريخي، بل إلى تجربة وجودية تمتدّ في لاوعي النوع البشري. فحين تتذكّر جماعة أسطورتها المؤسّسة، فإنها لا تستعيد تاريخًا واقعيًا، بل تُفعّل رمزًا موروثًا من لاوعيها الجمعي. ومن هنا يتقاطع مفهوم يونغ مع التصوّر الاجتماعي للذاكرة عند هالبواكس في نقطة جوهرية: كلاهما يرى أنّ التذكّر لا ينفصل عن البنية الجماعية للوعي، غير أنّ يونغ يوسّع نطاق الجماعة إلى مستوى الإنسانية كلّها.

بهذا المعنى، تتحوّل الذاكرة الجمعية إلى جسرٍ بين التاريخ والنفس، بين الوعي الاجتماعي واللاوعي الرمزي. فالأسطورة القديمة، مثل ملحمة جلجامش أو أسطورة الطوفان، تعبّر عن ذاكرة إنسانية تتجاوز الحدود الثقافية، وتعيد إنتاج نفسها في كلّ زمن عبر رموزٍ جديدة، كما أنّ هذه الرموز تمنح الوعي الجمعي بعدًا أنثروبولوجيًا، يجمع بين التجربة التاريخية والتجربة النفسية في وحدةٍ رمزية.

إنّ الذاكرة تُمارَس أيضًا بوصفها فعلَ مقاومة حين تسعى الجماعات المُهمّشة إلى استعادة تاريخها المنسي، فكما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: "حيث توجد سلطة، توجد مقاومة"، هكذا تصبح الذاكرة أداة لمواجهة الخطاب الرسمي الذي يحتكر سرد الماضي، فاستعادة الأصوات المقموعة وإحياء الأحداث المحجوبة تُعيد التوازن إلى الوعي الجمعي وتوسّع حدوده.

من الناحية الفلسفية، تُشكّل العلاقة بين الذاكرة الجمعية والوعي الجمعي دينامية مستمرة بين التذكر والتمثّل. فالتذكّر يمنح الجماعة استمراريتها في الزمن، والتمثّل يمنحها القدرة على إعادة إنتاج ذاتها في الحاضر. وكلّما اتّسع المجال التأويلي للذاكرة، ازدادت مرونة الوعي الجمعي وقدرته على التكيّف مع التحوّلات التاريخية.

على ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ الذاكرة الجمعية تُسهم في تشكيل الوعي الجمعي من خلال إنتاج سرديات مُشتركة تمنح الأفراد شعورًا بالانتماء والمعنى، كما أنّ الوعي الجمعي يوجّه عملية التذكّر الجماعي وفق منظومات رمزية تحدّد ما يُستدعى وما يُهمَل. هذه العلاقة الدائرية بين الطرفين تشكّل جوهر الهوية التاريخية للجماعة، وتجعل من الذاكرة فعلًا أخلاقيًا وثقافيًا في آنٍ واحد.

في الأخير، إنّ دراسة الذاكرة الجمعية والوعي الجمعي تفتح أفقًا لفهم المجتمعات لا بوصفها تجمّعات بشرية، بل كائنات رمزية تتذكّر وتؤوّل وجودها عبر الزمن. وكما عبّر بول ريكور: "أن نتذكّر هو أن نعيش مرتين، أن نعيد حضور ما كان ليمنح ما سيكون معناه". فالتذكّر هنا فعل حياةٍ متجدّدة، والوعي الجمعي هو الإطار الذي يمنح هذه الحياة طابعها المشترك.