الخطابات العكسية لمشاريع دعم النساء
قامت سيدة حاصلة على شهادة علم الاجتماع بإجراء بحث معمّق وواقعي حول مواقف النساء وآرائهن من الدورات وورش العمل المُختصة بدعم النساء، وبناءً عليه، سعت لتحليل بعض المشاريع الصغيرة التي تندرج تحت خانة دعم النساء.
النتائج كانت لافتة، الأهم أنها كانت متناقضة جداً من حيث العدد والمضمون. الاعتراض الأكبر كان حول العناوين والنتائج المتوقّعة من هذه الفعاليات، إذ شبّهت سيدة هذه الورش بالكتب التجارية التي ظهرت فجأة تحت شعار تعليم اللغات الأجنبية لغير الناطقين بها، بمدة سريعة لا تتجاوز خمسة عشر يوما مع توقّعات بنسب نجاح عالية! وتساءلت عن الإمكانية الحقيقية لتحقيق ذلك؟ الوقت قصير جداً وأهداف التعلّم مختلفة وقياس النتائج غير ممكن، كما أنّ تحقّق الاستفادة شرطي، وخاص جداً، بل ومحدود الأثر والفائدة. ربطت تساؤلها بتعليق موازٍ لكنه يعكس خيبةً كبيرة حين قالت: كيف يمكننا أن نعلّم المرأة الثقة بنفسها من خلال ورشة عمل لا تتجاوز مدتها خمسة أيام؟ وهل الثقة مادة نظرية بحتة قابلة للتعلّم في أيام محدودة؟
والسؤال الأهم، كيف يمكن قياس اكتساب النساء الثقة الشخصية؟ وهل ستتمكّن النساء من إبراز هذه الثقة وفرضها على الجموع التي تعتقد، وبشدّة، أنّ ثقة النساء بالذات غرور، بل ويجزم البعض أنّ فرط الثقة الذي تُبديه بعض النساء هو إجهاض فعلي لأنوثتهن المطلوب تكريسها بصورتها الأحادية المطلوبة مجتمعياً، وكأنّها نقطة القوّة الوحيدة الجالبة للحظ والعيش السعيد.
كيف يمكننا أن نعلمّ المرأة الثقة بنفسها من خلال ورشة عمل لا تتجاوز مدتها خمسة أيام؟
في مدينة سورية، جرى تقديم قروض صغيرة للنساء من أجل القيام بمشاريع إنتاجية مدرّة للدخل، اتجهت أغلبية الخيارات نحو شراء بقرة حلوب تدر دخلاً من بيع الحليب أو من صناعة الأجبان والألبان ومشتقاتها. كانت النتيجة أنّ تسويق الحليب خارج القرى يتطلّب كلفة عالية أضعفت من المردود الاقتصادي، لتُواجه النساء بعدها بعائق يتمثّل بقلّة الطلب على الحليب بسبب الإغراق في الإنتاج وارتفاع كلفة النقل، وكانت النتيجة أنّ غالبية النساء اضطررن لبيع الأبقار، وتوقفت تلك المشاريع عدا تعثّر المشاريع التي استطاعت الصمود وقتاً قصيراً، مع الإشارة إلى أنّ صمود المشاريع لا يعني النجاح أبداً، بل يعني تقليل الخسارات أو تأجيلها.
في العقدين الماضيين، يمكننا القول وبكل وضوح إنّه جرى إغراق المجال العام بعناوين عريضة لكنّها فعلياً معكوسة، حيث تعاملت هذه العناوين باستخفاف وسطحية مع احتياجات النساء، وكان السعي دوماً لقياس هذه التجارب عددياً وليس بوصفه انعكاساً فعلياً لتغيّر نوعية ومستوى الحياة اليومية للنساء. يبدو أنّه من غير المنطقي رفض هذه العناوين والمبادرات، بل ينبغي الترحيب بها لكن بشروط، أهمها خيارات النساء أنفسهن، ومن ثم قياس حجم التغييرات بما ينعكس فعلياً على تغيّرات واضحة وعميقة في شكل ومستوى حياة النساء اليومية والعامة.
صمود المشاريع لا يعني النجاح أبداً، بل يعني تقليل الخسارات أو تأجيلها
ويمكننا هنا استنباط سؤال عفوي وسريع يتعلّق بمضمون عنوان لإحدى الورش أو المبادرات كثيرة العدد مثل: "كيف تعزّز النساء ثقتها بنفسها؟" وهو أننا لو افترضنا أنّ النساء المشاركات في هذه الورشة قد تمكنّ بعد وقت قصير من اكتساب ثقة عالية بأنفسهن، وصدقنّ فعلياً أنهنّ صاحبات قرار مسموح لهنّ باتخاذ قرارتهن أو بممارستها، ماذا عن المجالات الخاصة والعامة التي سيتمكنّ فيها من إبراز هذه الثقة؟ وكيف سيتم قبولها؟ أو تعزيزها؟ بل ويمكن عكس هذه الأسئلة ليصدمنا سؤال أكثر واقعية: ما هي ضمانات عدم كسر هذه الثقة، بل والسعي لحجبها تماماً؟ وما هي ضمانات عدم التعامل مع هذه الثقة وكأنّها عبء إضافي على النساء، أو مجلب لاحتدام الصراع الوجودي بين النساء والمجتمع والقانون والأعراف والتقاليد والسياسة والاقتصاد وسواها؟
يبدو الخلل الرئيسي في الخطابات العكسية، وخاصة المطروحة باعتبارها مشاريعَ لدعم النساء، هو عدم إشراك النساء في وضعها أولاً، كما تُسوَّق وكأنها قابلة للتحقّق وسهلة التنفيذ من دون أيّ معوقات أو موانع، خاصة من دون السعي لجعلها جزءاً من خطّة عامة لرفع الحيف والتمييز عن النساء، ضماناً كي لا تؤدي الخطابات العكسية إلى نتائج عكسية.