الخجل من التاريخ

23 ديسمبر 2020
+ الخط -

لفت نظري في بريمن، إحدى مدن ألمانيا الواقعة في الشمال وأصغرها 327 كلم2، أحد الأحياء التاريخية بطرقه الضيّقة ومبانيه ذات الطراز القديم.. ولفت نظري أكثر جموع السيّاح التي تتزاحم في طرقاته المرصوفة بالحجارة لشراء ما يَعجّ به سوقه من تحف تحمل كل دلالات القدم ورائحة التاريخ.

بجانب هذا الحي مباشرة يقع سوق المدينة بمتاجره الشامخة، وشوارعه الواسعة، وحركة الناس الدائبة. وكانت المفارقة غريبة، فاختلاط الضدّين في واحد أمر غير مألوف في مجتمعاتنا الشرقية ـ أو بتحديد أكثر في مجتمعاتنا العربية ـ فقد ألفْنا منذ أن دخل البترول حياتنا أن ننسّق كل مظاهر ما قبل البترول في محاولة ساذجة منا صوَرَتها لنا مفاهيمنا البدائية بأن دخول (العصر) يقتضي منا أن نتخلص من كل ما يشدّنا على الوراء.. فراحت المعاول تعمل هدماً في كل شبر على الأرض التي نقف عليها لتتحول مدننا فيما بعد إلى غابات من الإسمنت المسلح.. وكأنما كان محتماً علينا أن ننسلخ من جلدنا ومن تاريخنا لنكون جديرين بدخول العصر..!

يجب أن تستعين بالمعاول للتخلّص من هذا التاريخ، كما فعل أخوتنا في الخليج العربي وشملتها العديد من الدول العربية، إن لم نقل جميعها، حيث راحوا يتسابقون في وضع التصاميم الغربية لبيوتهم ومنشآتهم، وحيث وجد المهندسون المعماريون على أرض النفط والمفارقات

والذي شاهدته في بريمن، في ألمانيا يوجد مثيل له في فرنسا وايطاليا والنمسا وهولندا وبريطانيا، وكل دول أوربا.. فرغم أن هذه الدول دخلت العصر، قبلنا بمئات السنين، إلّا أنّها مع ذلك لم تشعر قط بالاشمئزاز من تاريخها، وبأنها يجب أن تستعين بالمعاول للتخلّص من هذا التاريخ، كما فعل أخوتنا في الخليج العربي وشملتها العديد من الدول العربية، إن لم نقل جميعها، حيث راحوا يتسابقون في وضع التصاميم الغربية لبيوتهم ومنشآتهم، وحيث وجد المهندسون المعماريون على أرض النفط والمفارقات، مجالاً خصباً يمارسون فيه هواية تخريب الذوق العربي واستبداله بذوق مستورد من إيطاليا واليونان وبريطانيا، وغيرها!

في عصور الانحطاط فقط يلبس الناس لباساً غير لباسهم، ويسكنون بيوتاً غير بيوتهم، ويتكلمون لغة غير لغتهم.. بل ويشعرون بالخجل من تاريخهم فتراهم يتملصون من عبء الحياة داخل مجتمعاتهم المهزوزة ليكونوا ذيولاً ـ أو ديوكاً راقصة ـ في المجتمعات الأقوى والأقدر التي ينزحون إليها.

هي تلك حالنا اليوم؟

من واقع ما نراه، ولأننا ما زلنا ننظر إلى أنفسنا وإلى تاريخنا بالكثير من الحياء والخجل، ولأننا ما زلنا نستورد علب (البودرة، السردين، وزجاجات المياه الغازية)، فإنه من المشكوك فيه أننا نعيش عصراً آخر غير عصر الانحطاط الذي كانت بداياته هي ذات بدايات انهيار الدولة الأموية الثانية التي قامت شامخة سامقة ذات يوم على أرض الأندلس.

وعود على بدء..

متى نتعلم؟ كيف نعتز بتراثنا وبتاريخنا بعيداً عن العقد التي شوهت الكثير من مفاهيمنا؟ ومتى نعرف قيمة المثل الشعبي، ومفاده: (اللي مالُه أوّل ما لُه تَالي؟!).

دلالات