الحرب المؤجّلة: فنزويلا والسباق الأميركي

28 ديسمبر 2025
+ الخط -

يشهد النظام الدولي منذ العقدين الأخيرين تحوّلات بنيوية عميقة تتجاوز في دلالاتها السياق التقليدي لتوازنات ما بعد الحرب الباردة، فالولايات المتحدة، التي انفردت بقيادة العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، تواجه اليوم تحديات استراتيجية غير مسبوقة، تتزامن مع انكشاف محدودية أدوات القوّة التي اعتادت توظيفها خلال العقود الماضية. 

وتشكّل أميركا اللاتينية (بعد حرب غزّة، وتمدّد الصين، وتثبيت روسيا نفوذاً عسكرياً جديداً، وإعادة تموضع الدور الإيراني في الممرّات الاستراتيجية) إحدى أبرز الساحات التي تتجلّى فيها هذه التحوّلات. 

ويبرز في هذا الإطار التصعيد الأميركي تجاه فنزويلا بوصفه صورة مكثّفة لصراع أوسع حول مستقبل النظام العالمي، يتجاوز لحظته السياسية المُباشرة ويتصل بعمليات إعادة تعريف القوّة في عالم يتجه بسرعة نحو تعدّدية قطبية.

منذ العدوان الإسرائيلي الأميركي على غزّة، برز تحوّل نوعي في مواقف الشعوب والحكومات في أميركا اللاتينية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، أحدثت الحرب شرخاً عميقاً في الوعي الجمعي اللاتيني، إذ بدت واشنطن، في نظر قطاعات واسعة، مُنحازة بصورة كاملة لإسرائيل، غير مُكترثة بالضحايا المدنيين وحقوق الإنسان.

 لم تعد الصين مجرّد منافس اقتصادي في القارة، بل باتت تمسك بعصب الطاقة الفنزويلية التي تتداخل مباشرة مع حسابات الأمن القومي الأميركي

وجاءت مواقف دول مثل فنزويلا والبرازيل وكولومبيا والمكسيك وبوليفيا لتؤكّد أنّ أميركا اللاتينية لم تعد "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة. لقد انقلب المزاج العام والنخبوي نحو رفضٍ مُتزايد للنفوذ الأميركي، ليس فقط بسبب الموقف من غزّة، بل لأنّ الحرب أعادت تفعيل ذاكرة تاريخية مُثقلة بتدخّلات واشنطن وانقلاباتها ودعمها الأنظمةَ العسكريةَ خلال القرن العشرين.

في هذا الفراغ المعنوي والاستراتيجي، صعد الدور الصيني بسرعة لافتة، إذ قدّمت بكين نموذجاً مُغايراً تماماً للمنطق الأميركي التقليدي، حين تعاملت مع دول القارة بندّية اقتصادية، وبشروط تمويل واستثمار لا تتضمّن اشتراطات سياسية أو تدخّلاً مباشراً في السيادة.

 هذا النهج الناعم منحها موطئ قدم ثابتاً في الاقتصاد والبنى التحتية والاتصالات والطاقة، وسمح لها بأن تصبح الشريك التجاري الأوّل للبرازيل، وأن تدخل إلى قطاعات استراتيجية في تشيلي والمكسيك وكولومبيا.

تمكنت موسكو من ترسيخ وجود عسكري نوعي في فنزويلا، يُعيد إلى الأذهان أصداء الحرب الباردة وأزمة الصواريخ الكوبية

أما في الحالة الفنزويلية، فقد شكّل الحضور الصيني مستوى أعلى من الاندماج الاستراتيجي، فاستثمارات الصين التي تجاوزت 60 مليار دولار في قطاع النفط؛ لم تكن مجرّد مشاريع تجارية، بل تأسيساً لشكل جديد من الشراكة العميقة التي توفّر لفنزويلا حماية اقتصادية ضدّ العقوبات الأميركية، وتمنح الصين حضوراً في واحدة من أهم مناطق إنتاج النفط خارج منظومتي الخليج وروسيا. 

هذا التمدّد أثار قلقاً جيوسياسياً كبيراً داخل واشنطن، لأنّ الصين لم تعد مجرّد منافس اقتصادي في القارة، بل باتت تمسك بعصب الطاقة الفنزويلية التي تتداخل مباشرة مع حسابات الأمن القومي الأميركي.

وتزيد المخاوف الأميركية عندما يُضاف العامل الروسي، فمن خلال صفقات السلاح المُتقدّمة ومنظومات الدفاع الجوي، تمكّنت موسكو من ترسيخ وجود عسكري نوعي في فنزويلا، يُعيد إلى الأذهان أصداء الحرب الباردة وأزمة الصواريخ الكوبية. 

بالنسبة لواشنطن، يشكّل هذا الوجود اختراقاً خطيراً لمنطقة تعتبرها الولايات المتحدة تاريخياً جزءاً من مجال نفوذها المباشر وفقاً لعقيدة "جيمس مونرو 1823"، ورغم أنّ روسيا لا تمتلك القدرة على تحدّي الهيمنة الأميركية في القارة على نحو شامل، إلا أنها باتت قادرة على رفع تكلفة أيّ عمل عسكري أو سياسي أميركي ضدّ فنزويلا، ما يعقّد حسابات الردع ويجعل التهديد الأميركي أكثر ارتباطاً بتوازنات عالمية.

كشفت حرب غزة عن هشاشة غير مسبوقة في صورة الولايات المتحدة الأخلاقية والسياسية

وتمكن قراءة التهديدات والحرب الأميركية (غير المباشرة) تجاه فنزويلا في إطار أوسع يتصل مباشرة بالشرق الأوسط، إذ كشفت حرب غزّة عن هشاشة غير مسبوقة في صورة الولايات المتحدة الأخلاقية والسياسية، وأظهرت عجزاً مُتزايداً عن ضبط سياسات إسرائيل أو حماية الاستقرار الإقليمي.

ومع ارتفاع احتمال التصعيد مع إيران، أو احتمال استهداف ممرّات الطاقة الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، باتت واشنطن بحاجة إلى مصادر طاقة بديلة، قريبة ورخيصة، وغير مهدّدة بالمخاطر الجيوسياسية.

هنا تظهر فنزويلا بوصفها عنصراً أساسياً في خطّة الطوارئ الطاقوية" الأميركية، لأنّها توفّر نفطاً يمكن ضخه مباشرة إلى المصافي الأميركية من دون المرور عبر أيّ ممرّ ملاحي مُهدّد بالصراع.

رغم تهديدات ترامب، تبدو الحرب على فنزويلا خياراً شديد الكلفة، ففنزويلا ليست العراق، وتمتلك دفاعات جوية روسية مُتقدّمة وتضاريس جغرافية مُعقدة وجيشاً عقائدياً مدعوماً بحاضنة شعبية ترى في التدخل الأميركي عدواناً على السيادة الوطنية.

 كما أنّ روسيا والصين وإيران يمكن أن توفّر درجات متفاوتة من الدعم لفنزويلا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لذا فإنّ التهديد العسكري يبدو أقرب إلى أداة ضغط تهدف إلى ردع التحالفات اليسارية (الآسيوية والجنوبية)، أكثر من كونه خطّة حرب فعلية.

نهاية الأحادية الأميركية لم تعد مجرّد احتمال، بل مساراً تتسارع ملامحه عاماً بعد عام

تعكس هذه الصورة في مجموعها تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض الإملاءات واستخدام العقوبات أدواتٍ حاسمةً، فالعالم يتحرّك نحو نظام مُتعددّ المراكز، تلعب فيه الصين دور القوّة الاقتصادية الأولى، وروسيا القوّة العسكرية المُثابرة، وإيران القوّة الإقليمية العنيدة، فيما تحاول دول مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا إعادة تعريف حضورها الدولي.

في الخلاصة، لا تبدو فنزويلا هدفاً بحدّ ذاتها بقدر ما تمثّل بوابة لصراع أكبر يدور حول مستقبل النظام الدولي، فهي مساحة لاختبار حدود القوّة الأميركية، ومختبر لمدى صلابة النفوذ الصيني والروسي، ومكان ترتبط فيه غزّة والشرق الأوسط مباشرة بحسابات الطاقة والنفوذ العالمي.

إنّ التهديدات الأميركية ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج نظام عالمي يتآكل، ومحاولة لوقف ولادة عالم جديد تتوزّع فيه القوّة على عدّة أقطاب، وبقدر ما تحاول واشنطن فرض معادلاتها القديمة، تكشف الوقائع أنّ توازنات القرن الحادي والعشرين تتشكّل من قوى جديدة، وأنّ نهاية الأحادية الأميركية لم تعد مجرّد احتمال، بل مساراً تتسارع ملامحه عاماً بعد عام.