الحاجز

20 ديسمبر 2025
+ الخط -

"حواجز لبنان". قفز قلبي حين قرأت عنوان القناة على تطبيق "واتساب". حواجز؟ من نصبها؟ أين؟ لِمَ ومتى؟ 

تدافعت الصور والأسئلة في رأسي، كما لو كانت محشورة في صندوق ضيّق فتحه أحدهم فجأة. فالقلق النائم في قلوبنا، نحن جيل الحرب الأهلية اللبنانية، سرعان ما يستفيق مستجيباً، كما في التنويم المغناطيسي، لمفردات محدّدة بعينها، خصوصاً إن ذُكِرت هذه المفردات في سياق سياسي وأمني مُتوتّر كالذي نعيشه اليوم. وكلمة "حاجز"، واحدة من هذه المفردات. 

أضغط على زر المُتابعة لاستطلاع ماهية القناة، فتخرج أمامي، للمصادفة أيضاً، عبارة أخرى تزيد توجسي، لكونها هي الأخرى من يوميّات الحرب الأهلية اللبنانية: "طريق العدلية/ المتحف سالكة وآمنة". 

"سالكة وآمنة". كانت العبارة الشهيرة لشريف الأخوي، مذيع نشرة الطرقات المقطوعة، التي كانت الإذاعة اللبنانية تبثّها يومياً لأجل أن يتفادى المواطنون الطرقات التي كانت المليشيات تنصب عليها حواجزها، لتقتل أو لتخطف على الهُويّة. 

قلت في نفسي: لا بُدّ أنّ كاتب العبارة من جيلي. أو قد يكون أكبر مني؟ لكن ممّ هي آمنة تلك الطريق؟ بعد قراءة المنشورات، سرعان ما بدت هواجسي مُضحكة: فقد فهمت أنّ تلك القناة هي في الحقيقة لتواصل الخارجين عن القانون من سائقي الدراجات النارية، وربما الفانات أيضاً، لتنبيههم إلى وجود حواجز للشرطة ولراداراتها. نوع من لعبة "عسكر وحرامية" فرع تنظيم السير. 

أبتسم للمنشورات المُختصرة: "عدلية حيطة وحذر"، "سوق الأحد سالكة"، "بلاطة، شارع بلس قبل الماكدو"، "حاجز كبير في جونية مقابل عقيقي"، "طرابلس جسر المدفون" إلخ. أما اللافت فيها، فكان أنواع رموز "اللايكات" المُستخدمة، من غير الرائجة عادة، أو بالأحرى غير المُستخدمة في المواقع الإخبارية. كقشر الموز (ربما للإشارة إلى احتمال "التزحيط" حين تمطر أو إلى أنّ الحاجز زحّط، أي رحل)، وهناك رمز براميل البنزين، وغيرها من الرموز التي لم أفهم معنى استخدامها، ربما لعلاقتي المقطوعة مع عالم قيادة السيارات. لكن الأهم، أعلام لبنان وسورية بنسختها الجديدة. 

جنسيات تبدو في الفضاء السياسي والشعبي والأمني، متصارعة، لكنها هنا، وحين تجمعها المصلحة، تتحد فوراً

قلت في نفسي: يا للتضامن الطبقي العابر للحدود والهُويّات! جنسيات تبدو في الفضاء السياسي والشعبي والأمني، متصارعة، لكنها هنا، وحين تجمعها المصلحة، تتحد فوراً. شيء يشبه التهريب على الحدود، وهذه الأخيرة، أي الحدود، ربما كانت أقدم أنواع الحواجز التي تجمع بين الخارجين عن القانون من الجهتين.

تركت القناة لأهلها، لكن بقيت الأسئلة: ماذا لو كانت إحدى تلك الدراجات المُستفيدة من خريطة الطريق التي تؤمّنها القناة، مُفخّخة؟ لا شيء مُستبعد، فالبلد في وضع أمني صعب الضبط، كيف يُسمح ببقاء قناة كهذه؟ 

أطرح السؤال على أحد الأصدقاء المطلعين على الأحداث الأمنية، فيؤكّد مخاوفي، قائلاً إنّ ذلك حصل فعلاً. لكن المُثير للضحك أنّ من اكتشف تفخيخ الدراجة، كان لصّ دراجات! 

فقد سرق هذا الأخير الدراجة حين كانت متوقّفة لدقائق. ولما فتح صندوق المقعد لاستخراج ما قد يكون فيه، فوجئ بأنّها مُفخّخة بعبوة. فما كان من "اللص الآدمي" إلا أن سلّم الدراجة للقوى الأمنية في المنطقة! 

حسناً، إنها قصّة مبكية مضحكة، ولقد ضحكت. لكن غيمة رمادية بقيت تُحيط بقلبي. فقد استحضر هذا التدقيق بدقائق أكثر من عبارة من قاموس الحرب الأهلية ومخاطرها أمامي: من مفخّخة، إلى سالكة وآمنة، إلى ترقّب وحذر، إضافة بالطبع إلى الحاجز. 

فكما تعلمون، لجيلي تجارب تُروى مع الحواجز، لتاريخنا الطويل معها. إن كان ذلك زمن الاحتلالات المُتكرّرة للجنوب، حين كانت الحواجز العسكرية الإسرائيلية، واللبنانية المُتعاملة معها، تنغّص عيش الأهالي. أو خلال الحرب الأهلية التي دامت خمسة عشر عاماً، والتي كان دورها تقطيع المناطق اللبنانية جغرافياً وعزل بعضها عن بعض، وفرز المواطنين بنوع من التطهير الطائفي، وزرع الخوف بين ذوي الطوائف المختلفة عبر خطف الناس وقتلهم على الهُويّة.

حوّلت بعض السلطات المحلية المُنتخبة، الحواجز الطائفية التي صارت بعد نهاية الحرب موجودة لكن غير مرئية، إلى حواجز وقحة، لا تخجل من الإعلان عن نفسها

بهذا المعنى، أصبحنا نحن اللبنانيين خبراء حواجز بمختلف أنواعها: الثابتة والطيّارة، العدوة و"الشقيقة"، الأجنبية والمحلية، الطائفية المليشياوية و/ أو العسكرية الرسمية. وأجزم بأنّ من يأتي في المرتبة الثانية بعدنا من خبراء في هذا المجال، هم الفلسطينيون. لكن ربّما كانت خبرتهم أقل تنوّعاً من خبرتنا، أو لنقل أكثر اختصاصاً. هذا ما فهمته من مطالعة روايات عدّة، لكتّاب فلسطينيين مثل باسم خندقجي وعدنية شبلي، على سبيل المثال. لا بل إنّ هناك كتاباً مُخصّصاً لفكرة الحاجز للكاتب عزمي بشارة.

اليوم، في لبنان، غير المُتعافي حتى من حربه الأهلية، تتكاثر الحواجز. بعضها مرئي وضروري، لكن من الممكن تلافيه، كما في قناة "حواجز لبنان" وأخواتها من القنوات، وبعضها الآخر غير مرئي لكنه قائم ومحسوس، مُثير للقلق ومؤذ.

ففي بعض الحالات، حوّلت بعض السلطات المحلية المُنتخبة، الحواجز الطائفية التي صارت بعد نهاية الحرب موجودة، لكن غير مرئية، إلى حواجز وقحة، لا تخجل من الإعلان عن نفسها. 

هكذا، فرضت إحدى البلديات القريبة من العاصمة بيروت، على سكانها، إبلاغها قبل توقيع أيّ عقد بيع أو إيجار في نطاقها. ولا يستوجب الأمر التفكير كثيرًا من أجل فهم الغرض من هذا الطلب غير القانوني. فهو على الأرجح لمنع إيواء أجانب أو وضعهم تحت المراقبة (وهذا دور القوي الأمنية لا البلدية)، أو كما حصل مع البعض، لمنع تملّك أبناء الطوائف الأخرى في المكان. كلّ ذلك من دون أن تتصدى المؤسسات الرقابية والأمنية، كوزارة الداخلية والبلديات، لقمع هذا النوع من السلوك المُتفاقم والخطر.

في هذه البلدات التي تريد المواءمة بين حاجتها لليد العاملة الأجنبية الرخيصة وعنصريتها، تُنصب حواجز أخرى علنية. كذلك في فرض حظر التجول بعد السادسة مساءً على العمال الأجانب، وهو إجراء غير قانوني بدوره، لكنه حاصل و"مُطنّش" عنه. 

وفي عالم الحواجز المُتكاثرة في حياتنا اليومية أخيراً، ها هو الحاجز ينتقل أيضاً إلى السماء، بالمسيّرات الإسرائيلية التي تحتل فضاءنا، مُتصيّدة من تُسوّل له نفسه محاولة ترميم بيت، أو زرع بذرة. والأهم لتمنعنا من العبور إلى أرضنا، هذه الأرض التي تحدّق فيها من علٍ كالطيور الجارحة.

ضحى شمس
ضحى شمس
كاتبة وصحافية لبنانية.

مدونات أخرى