الجدارة السياسية وسؤال الشرعية
يسعى كتيب "الجدارة السياسية وسؤال الشرعية في القرن الحادي والعشرين" للباحث براين كوغلمن والصادر سنة 2025 ضمن سلسلة Cambridge Elements، إلى تفكيك فكرة الجدارة السياسية كما يجري الترويج لها في القرن الحادي والعشرين باعتبارها بديلا للنموذج الديمقراطي، ويعيد بناء النقاش حولها من الأساس. ينطلق المؤلف من ملاحظة بسيطة لكنها عميقة: العالم يعيش اهتزازا في الثقة بالديمقراطية التمثيلية، ويتقدم في المقابل خطاب جديد يعد الناس بكفاءة أكبر واستقرار أشمل إذا انتقل الحكم من أيدي الناخبين العاديين إلى نخبة "أجدر" وأكثر معرفة. هذا الوعد الذي يبدو براقا يأخذه الكتيب إلى مختبر التفكير السياسي، يحلله بهدوء، ويظهر حدوده ومثالبه، ويكشف أنه أقل براءة مما يبدو.
يعرض الكتاب أولا كيف ظهرت ثلاث رؤى كبرى للجدارة السياسية. هناك نموذج يقول إن الحكم يجب أن يستند إلى المعرفة، حيث ينبغي أن يمتلك من يعرف أكثر سلطة أكبر. هذا النموذج يعيد إنتاج نفسه اليوم في دعوات إلى تقييد سلطة "الناخب غير المطلع" وإعطاء مساحة أوسع للخبراء. ثم هناك النموذج المستلهم من الفكر الكونفوشيوسي، حيث يُختار القادة بناء على الفضيلة والحكمة، وهو النموذج الذي تقدمه الصين المعاصرة باعتباره بديلا فعّالا وأكثر استقرارا. وأخيرا هناك محاولة الجمع بين الديمقراطية والجدارة في نموذج يزعم أنه قادر على إنتاج نخبة كفؤة من داخل الآليات الديمقراطية نفسها عبر تحسين المؤسسات الانتخابية وتصميم مسارات تتيح ترقية الأكفاء.
يحاور الكتاب هذه الرؤى الثلاث من الداخل قبل أن يعيد تفكيكها. يؤكد المؤلف أن الجدارة السياسية تبدو جذابة لأنها تعد بحل مشكلة حقيقية: ضعف المعرفة السياسية لدى قطاعات من المواطنين، أو ظهور قادة يفتقرون إلى الكفاءة. لكن الإشكال العميق الذي يثيره المؤلف يكمن في أساس الفكرة نفسها. فهذه النماذج تفترض أن لدينا معايير موضوعية يمكن الاتفاق عليها لتحديد من هو الأجدر بالحكم. بينما يبيّن الواقع أن أي محاولة لقياس الجدارة السياسية تقع مباشرة في فخ التحيز الاجتماعي والثقافي والتعليم والطبقة والموقع داخل النسق الاجتماعي. ما يبدو معيارا للجدارة قد يتحول بسهولة إلى أداة لإقصاء فئات واسعة ومنح امتيازات لفئات معينة.
يبرز الكتاب أيضا التوتر المركزي في طروحات الجدارة، وهو ذلك الصراع المستمر بين الكفاءة والشرعية. فالنظريات قد تنجح في خلق نظام يبدو فعالا ومنظما، ولكن من دون شرعية المشاركة الشعبية ومن دون الإحساس بأن السلطة تتداول بشكل عادل. هذه الأنظمة، حتى لو حققت إنجازات، تبقى معرضة للانغلاق وللعجز عن تصحيح أخطائها، لأن الجمهور ليس جزءا من عملية التقييم والمحاسبة. وبذلك تتحول الجدارة إلى خطاب يغلّف تمركز السلطة أكثر مما يعبر عن آلية حقيقية لتحقيق المصلحة العامة.
يتوقف المؤلف عند النموذج الصيني الذي يقدم اليوم باعتباره مثالا على الجدارة السياسية الناجحة. لكنه يفكك هذا النموذج من الداخل، ويبيّن أن فكرة اختيار نخبة سياسية بناء على الفضيلة ليست قابلة للتحقق ولا للقياس، وأن الحكم في الصين ليس نتاجا لنظام يعلي قيمة الجدارة، بل نتاج نظام يدمج الحزب في كل مستويات الدولة والمجتمع. هنا تصبح الجدارة جزءا من خطاب سياسي يمنح شرعية للنظام أكثر مما تعبر عن آلية موضوعية لاختيار الأفضل. كما يذكر المؤلف أن التاريخ الصيني نفسه يقدم أمثلة كثيرة على بيروقراطيات ادعت أنها قائمة على الامتحانات والاختيار، لكنها في الواقع كانت تبحث عن الولاء أكثر مما تبحث عن الكفاءة.
يصل المؤلف إلى فكرة أساسية مفادها أن أي نموذج يقوم على الجدارة لا يستطيع حل العقدة التي تشكل جوهر الفعل السياسي: من يقرر من هو الأجدر بالحكم؟ هل هي النخب ذاتها؟ هل هم الخبراء؟ هل هو الجمهور بمختلف فئاته؟ هذا السؤال الذي يبدو بسيطا يتحول إلى مأزق حقيقي، لأن أي محاولة للإجابة عنه دون المرور عبر شرعية المشاركة الشعبية تقود في النهاية إلى بناء سلطة مغلقة، مهما حاولت أن تتزين بخطاب العقلانية والكفاءة.
ورغم نقد المؤلف الشديد لمختلف نماذج الجدارة، فإنه لا يقدم دفاعا غير نقدي عن الديمقراطية كما هي. فهو يقر بأن الديمقراطيات المعاصرة تواجه بالفعل أزمة ثقة، وأنها تنتج أحيانا قيادات ضعيفة أو غير كفؤة. لكنه يصر على أن الحل لا يمكن أن يكون بالعودة إلى نموذج يمنح السلطة لفئة تدعي أنها الأعرف أو الأفضل، لأن هذا الطريق يقود إلى نزع السياسة من المجتمع وإعادتها إلى دائرة ضيقة، ويحوّل الفضاء السياسي إلى حقل مغلق لا يشارك فيه إلا من يملك شروط الدخول إليه.
تتلخص رؤية الكتاب في أن الجدارة السياسية قد تؤدي دورا مكملا ضمن نظام ديمقراطي، مثل تحسين التعليم السياسي، أو تطوير آليات اختيار القيادات داخل الأحزاب، أو تعزيز الكفاءة في الإدارة العمومية، لكنها لا تصلح لتكون أساسا بديلا للشرعية الديمقراطية ولا معيارا مستقلا لمنح السلطة. فالشرعية، في منظور المؤلف، تنبع من المشاركة ومن حق الناس في الاختيار ومن النقاش العام ومن التعدد، لا من اختبارات للكفاءة ولا من بناء نخبة مغلقة مهما كان ادعاؤها.
في الختام، يترك المؤلف القارئ أمام سؤال مفتوح: كيف نبني نظاما يجمع بين قيم المشاركة والحرية والمساواة، وبين الحاجة إلى قيادة كفؤة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة في عالم سريع التغير؟ لا يقدم الكتاب جوابا نهائيا، لكنه يمنع النقاش من الانزلاق إلى الحلول السهلة التي تبدو عقلانية في ظاهرها لكنها تخفي في داخلها بذور الإقصاء وإعادة إنتاج الامتيازات. وبذلك يقدم قراءة نقدية عميقة تسمح بفهم موجة الخطاب الجديد حول الجدارة السياسية، وتعيد وضعها في سياقها، وتكشف حدودها، وتعيد الاعتبار لفكرة أن السياسة لا تكون سياسة إلا حين تكون ملكا للجميع.