التَّعليم والحرية
يرتكز الجهد التَّعليمي، في روحه، على تنمية الملكات الفكرية والأخلاقية للذَّات؛ وما الأفكار والمعارف والتَّوجيهات التي يجري تلقينها سوى أدواتٍ لأجل تحقيق قيمة الحرية وإعمال الخاطر في الأشياء، بمعزل عن الإكراهات، أو بلغة ابن خلدون: بمعزل عن العَسف والقهر. أي إنَّ مقاصد التَّعليم البعيدة إنما هي تحرير التَّفكير من المعارف الجاهزة، وتحرير الفعل من التسلُّط والعُبودية. لذا، فإنَّ المجتمعات الفاعلة نجد فيها هذين الوصفين؛ حيث تنمو عندها حركة التَّفكير، وقيمة القراءة، والحوار من أجل الصَّواب، بينما تسود في المجتمعات الخاملة الفراغات الفكرية والعبودية الطَّوعية؛ لأنَّ العقل خاضع لصيغ معرفية تراثية أو حداثية، والفعل تتحكَّم فيه عوائد السُّلطان. ومعلوم، كما قال ابن خلدون، أنَّ عوائد كلّ جيل تابعة لعوائد سلطانه.
لكن ما ابتغينا الإشارة إليه، في ترتيب العلاقة بين التَّعليم والحرية، هو صرف القول إلى أنَّنا، في زمن الذكاء الاصطناعي وخزائن المعلومات التي باتت هي لغة عصرنا، نلاحظ استمرار تلك الصفات السَّلبية التي أشرنا إليها، أي صفة الاكتظاظ المعرفي، وسلب الحرية العقلية والعملية عن الذَّات المتعلِّمة. فخزائن المعارف، وإجابات الذكاء الاصطناعي، وتراجع أدوار المعلِّم الحيَّة، لم تفتح للذَّات المتعلِّمة آفاق الإبداع والابتكار، بل إنَّها تمارس عليها تسلُّطًا يضاهي التسلُّط المعرفي والسُّلطاني، حيث نُسيت، في غمرة هذا الاندهاش الجمالي، أغراض التَّعليم الأصلية، وهي: تنمية الملكات، وحلَّت محلَّها أغراض أخرى، في طليعتها: حشو الأذهان والتحكُّم في المعلومات. وهذه الحال إنما تُميت في الذَّات تلك القُدرات الفطرية الإنسانية الكامنة، كالدَّهشة، والتَّحيُّر، والسُّؤال، والمناظرة، والتباري الفكري، والتنافس؛ أي روافع التَّعليم الأصلية، بينما خزائن المعرفة وخرائط التحكُّم في المعلومات تفتقر إلى هذه القدرات الإنسانية.
مقاصد التَّعليم البعيدة إنما هي تحرير التَّفكير من المعارف الجاهزة، وتحرير الفعل من التسلُّط والعُبودية
إنَّ التَّعليم التقني اليوم، وإن اقتدر على توفير المعرفة، وتسهيل تداولها، واسترجاعها، ونشرها، إلّا أنَّه لا يعلِّم قيم الحرية والفن والإبداع؛ إذ ليس المُعتبر هو مراكمة المعلومات، وتسهيل تداولها، واكتظاظها، بل إنَّ المعتبر العميق إنَّما هو الاشتغال بحفر الذَّات الإنسانية وإعادة تشكيلها من جديد، مثلما يحوِّل ذلك النَّحَّات حجر الرخام من صورته الأصلية نحو صورة جديدة ينفخ فيها من روحه وأفكاره. وهكذا الأمر في مجال التَّعليم والتربية؛ فتنمية الملكات العقلية والنفسية، وتغيير الإنسان نحو الفضائل الفردية والاجتماعية، هما ما ينبغي أن يوجِّه مسار العملية التعليمية، لا المناداة فقط بشرط الجودة، الكلمة التي تتضمَّن في معانيها توفير التَّقنيات من أجل اكتظاظ المعارف، ونسيان إنسانية الإنسان التي لن تتحقَّق إلا بالتَّعليم الموجَّه بالقيم، وفي مقدِّمتها قيمة الحرية.
إنَّ الحرية التي توجِّه مسار التَّعليم التقني تكون نتيجتها حصار الفطرة الإنسانية، والإنابة عنها في التَّفكير والتَّدبير، كما تنتهي إلى إفراغ الكينونة الإنسانية من الدِّلالات الأخلاقية التي يجب أن تترافق مع التَّعليم ترافقًا أبديًّا. فالمعرفة التي لا تلد منتوجًا أخلاقيًّا، أو تكون مقدِّمةً نحو ذلك، هي معرفة بتراء؛ بينما المعرفة التي تترافق مع الفضائل الأخلاقية هي التي تحقِّق التَّكامل المفقود بين النَّظر والعمل. لنقل، إذن، بأنَّ التَّقنيات السائدة، على جلالة شأنها، لن تنوب عن التَّعليم بمعناه المباشر؛ فالمعلِّم لا تزال بين يديه وسائل ناجعة للتَّوجيه والبناء، أو بالأحرى، إنَّ الأنفاس الروحية الإنسانية الحيَّة هي التي تُشعل جذوة التَّعليم، وتوقظ حماسة القلب نحو المعرفة، وتكون الثمرة هي الإبداع والتَّجديد.