التصحيف والتحريف... وأشياء من هذا القبيل (1/2)

05 أكتوبر 2020
+ الخط -

وقع خلاف -لا ندري ملابساته ولا مدته- بين عزة وكثير، لكن الثابت أنها لبثت مدةً لا تكلِّمه، ثم مرت به وهو إلى جوار جمله، وأبت إلا أن تسلِّم على جمله حصريًّا، ومع أن تيارًا كهربائيًا سرى في أوصال ومفاصل كثير، إذ إن سلامها على الجمل يفتح للوصل بابًا مع صاحب الجمل، وإن تأخر هذا الوصل، لكن أول الغيث قطرة.

لم يجرؤ أن يؤنّبها على تركها العاشق الولهان، أو أن يلومها لسلامها على دابته وهجرها رجلًا يذوب في حبها ذوبان الشوكولا السويسرية في الفم، ولم يقدر إلا على توبيخ جمله؛ فالتفت إليه قائلًا (حيَّتكَ عزَّةُ بعد الهجر وانصرفت/ فحيِّ ويحكَ من حيَّاك يا جملُ)، ثم عطف على حاله فقال (ليت التحيَّة كانت لي فأشكرَها/ مكان يا جملُ حُيّيتَ يا رجلُ).

موقف رومانسي بين حبيبين، وقعت بينهما جفوةٌ لأمر أو لآخر، لكن النحويين لم يقفوا عند تفاصيل علاقتهما طويلًا، لقد عدّوها خصوصية يجب احترامها، ومع ذلك أخذوا البيت الثاني شاهدًا، لا على حب كثيِّر لعزة فحسب، وإنما ليصبح شاهدًا على جواز تنوين المنادى المفرد المبني على الضم في الشعر؛ فتجده في شرح المفصّل، والهمع والنوادر، وكذلك عند الأشموني.

بيدَ أن ابن سعيد المغربي يسجل لنا في كتابه "الغصون اليانعة في محاسن شعراء المئة السابعة" موقفًا لم يطرأ على ذهن كثيّر، وربما لو علمه لهجر عزة والشعر وجزيرة العرب، وسافر إلى كندا يطلب لجوءًا وراحة بال! ويهمس لي الشيخ النحوي أبو الحسن هذيل بن عبد الرحمن الإشبيلي أن له قصةً مع هذا البيت، إذ دخل عليه بعض الطلبة يومًا، وكانت فيه -والعهدة على الإشبيلي وابن سعيد- مسحةٌ من بلادة، وشاء ربك أن يستهل قراءته على الإشبيلي ببيت عمنا كثير.

ذكروا أن حماد بن الزبرقان كان يُصحِّف ألفاظًا في القرآن لو قُرئ بها لكان صوابًا، وأرجعوا ذلك إلى أنه حفظ الذكر الحكيم من مصحف ولم يقرأه على شيخ

قرأ الطالب البيت وقد صحَّفه (غيَّر في حروفه) وقد مزَّق نقطة زاي عزة ونسفها من موضعها بشحنة نترات أمونيوم أو "سيمتكس"، أو أنه نقل النقطة من زاي عزة إلى حاء حيتك؛ فقال: (جئتُك عِرَّةً)؛ فرد عليه الإشبيلي (وكذلك بالله ترجع يا ولدي). لم يكن كثير -بيته إن شئت الدقة- وحده ضحية هذا الطالب، بل تجاوز عبثه زمن الأمويين إلى الوراء بعيدًا؛ فاعتدى على امرؤ القيس وأدمى كبده في قبره!

ذات صباح، سأل الطالب إياه الإشبيلي: ما معنى الكموج؟ وسُمع لصدر الإشبيلي حشرجة كأنما قُبضت روحه لحظتها، ثم حوقل واسترجع، وأقبل ببعض وجهه على طالبه المسكين، وقال له: وأين رأيت هذه اللفظة يا ولدي؟ قال مُترعًا بالثقة متترِّسًا بكثرة إطلاعه شامخًا بأنفه: قرأتها البارحة في ديوان امرؤ القيس (وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدوله)؛ فأصدر الإشبيلي صوتًا من فمه أو أنفه أو حجابه الحاجز -لم أتبين المصدر- وهو يضرب أخماسًا بأسداس ويقلِّب وجهه في طلابه خشية أن تصيبهم عدوى صاحبهم قائلًا: "الكموج: دُويبة (تصغير دابة) من دواب البر، تحمل الكتب ولا تعلم ما فيها".

ما وقع فيه الطالب إياه ليس بجديد، عدا عن طرافته، إذ يقع كثيرون تحت طائلة التصحيف والتحريف، وبينما تقارب يفك لنا السيوطي معالمه؛ ففي (المزهر في علوم اللغة)، قائلًا إن "أصل التصحيف أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفة، ولم يكن سمعه من الرجال؛ فيغيِّره عن الصواب"، ثم يؤكد على حقيقة مفادها "وقد وقع فيه جماعةٌ من الأجلاء، من أئمة اللغة وأئمة الحديث، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل (ومن يَعرى من الخطأ والتصحيف)".

لم يأتِ حكم السيوطي بوقوع عددٍ من الأجلاء في التصحيف عفوًا؛ فقد ذكروا أن حماد بن الزبرقان كان يُصحِّف ألفاظًا في القرآن لو قُرئ بها لكان صوابًا، وأرجعوا ذلك إلى أنه حفظ الذكر الحكيم من مصحف ولم يقرأه على شيخ، وكان مما يغلط فيه "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدةٍ وعدها (أباه)"، يريد (إياه)، وكان يقرأ "بل الذين كفروا في (غِرَّةٍ) وشقاق"، يريد (عِزَّةٍ)، وقرأ "لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن (يَعنيه)"، يريد (يُغنيه).

وتذكر المراجع أن حمزة الزيات كان يتعلم القرآن من المصحف، وقرأ يومًا وأبوه يسمع "ألم، ذلك الكتاب لا (زيتَ) فيه"؛ فزجره أبوه وقال له: دع المصحف وتلقَّن من أفواه الرجال! وهذه نصيحة غالية تُكتَب بسواد الأحداق على بياضها لما فيها من ضرورة الفهم والتثبت، ولذلك يقول الإمام الشاطبي في "الموافقات" ما يؤكدها ويعضِّد قيمتها، ومن ذلك قوله "كان العلم قديمًا في صدور الرجال (الصحابة)، ثم انتقل من صدور الرجال إلى بطون الكتب، وبقيت مفاتحه بأيدي الرجال (العلماء)؛ فمن كان شيخه كتابه غلب خطؤه صوابه".