التداوي بالمحبة في أدب ميخائيل نعيمة

30 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 18:06 (توقيت القدس)
+ الخط -

أيّها الشاكي وما بك داءُ

كن جميلاً ترى الوجود جميلاً.

(إيليا أبو ماضي)

لعلّ فكرة تجميل الذات وتهذيبها كي تبصر المحيط بهيّاً وجميلاً، تطرّق لها شعراء ومفكّرون سابقون، بل والأطباء أنفسهم أقدموا على فكرة "العلاج بالمعنى" لتطبيب كثيرٍ من مرضى الاكتئاب.

فهل في عصرنا الحالي، عصر الضغينة، يُجدي زرع المحبّة في قلوب الناس بهدف الحدّ من تباغضهم واختصامهم؟ هل يمكن مداواة هذه "الأمراض" إذا اعتبرناها أمراضاً روحية؟ هل يمكن مداواتها بالمحبّة فعلاً؟

كان ميخائيل نعيمة، الذي هو علامة فارقة في أدب المهجر، بل والأدب العربي العام، قد خصّص جُلّ أدبه وأعماله وصبّها في قالب واحد وكبير، هو محبّة الذات والآخر.

فكانت محبّة الذات بالنسبة إليه هي محبّة الخالق ومسلكٌ للإيمان به وبعظمته، وليس المُراد منها الأنانية وحبّ التملّك التي تتبادر للذهن لوهلة عند ذكر الأنا والنفس. فكثيراً ما دعا نعيمة لتأمّل الذات والجسد باعتبار الذات روحاً من الله ونفحة منه، والجسد إحدى صنائعه العجيبة والمدهشة. ولمّا كانت الذات جزءاً من الله، جزءٌ منه تماماً، والجسد محض تراب، ولمّا كانت الذات هي الأهم، فقد دعانا ميخائيل إلى الاهتمام بها وتهذيبها بالمحبّة الخالصة، المحبة التي تتيح لنا التفكّر في نفحة الخالق المبدع، فنحب هذه النفحة (الذات) ونحبّ نافحها (الله)، ونظرته هذه إلى الذات تُذكّرنا بنظرة جلال الدين الرومي، فعنده "الإنسان بناء الله" والويل لمن يهدمه! الويل لمن يهدمه بقبيح الخبايا التي تتولّد في قلب المرء من الحقد والغِل والبغض.

ومن هنا كانت ثمّة طريقة واحدة لدرء تلك الضغائن وهي الانتقال بنا إلى الشطر الثاني من الدعوة وهو "محبة الآخر"، محبّة الإنسان لأخيه الإنسان؛ لأنّ الآخر هو نسخة منك ومثال لك، فهو جزء لا يتجزّأ من ذاتك، وأنت متى كرهت أخاك الإنسان فقد كرهت شيئاً من روحك. وفي هذا الصدد يذكر ميخائيل في كتابه "سبعون": "من الخطأ أن تهرب من الناس لأنك في الواقع لا تهرب إلا من نفسك، ففي كلّ إنسان شيءٌ منك وفيك شيء من كلّ إنسان" . ومن هذا المنطلق، إنّ الذي يحبّ أخاه يحب ذاته، والذي يحب ذاته يحبّ الله، وهكذا تدور دائرة المحبة، التي إذا ما أشرقت في القلب كانت طريقاً للتخلّص من الألم. نعم وصف نعيمة المحبّة بأنها خلاص من ينبوع الألم وشفاء منه وطريقة للتداوي من كلّ ضروب الشقاء.

متى كرهت أخاك الإنسان فقد كرهت شيئاً من روحك

 لم تقتصر كتابات نعيمة على محبّة الذات والآخر فقط، بل امتدّت لتشمل محبّة الطبيعة والأرض وكلّ ما يمشي ويدبّ ويزحف ويتنفّس على ظهر هذه البسيطة، إلى درجة أنّه لقّب الطبيعة بأم الإنسان ونعتها بأنها أمٌ رؤوم، فهل له أن يكره أمه ومُرضعته!

لقد نوّع ميخائيل نعيمة في الأمثلة وشروحها كي نفهم الحكمة من المحبة. وكتابه كتاب "مرداد" يحمل أكبر عُصارة مُركّزة في دعوته للمحبّة. و"مرداد" هذا قصّته أنه خادم قدم ليخدم قبّة الفلك، فكان يعطي دروساً عن طريقة فهم الحياة بصورة فلسفية لثمانية من حارسي الفلك، كانوا يتحلّقون حوله كما يتحلّق المنقطعون عن الطريق في دياجير الليل حول النار، فكان هو نارهم ونورهم، يسرد لهم حكمة الكون ويهديهم إلى شعلة المحبّة وسراجها الذي لا يخبو.

ومن شدّة تركيزه على ضرورة التعامل بالمحبّة فقد جعلها بمثابة الدم الذي يجري في العروق، إذ يقول: "المحبة لا تعيش ما لم تجرِ عصارتها في العروق طليقة من كلّ قيد". وبهذا لا حياة للمرء بغير المحبّة ولا شفاء له إلاها، ووصفها بأنها عصير الحياة وناموس الله.

لا تنتمي مؤلفات نعيمة إلى رفوف السياسة أو علم النفس أو الاجتماع أو الدين، نعيمة مكتبة في حدّ ذاتها، لأنه استطاع أن يولّف بين كلّ تلك الصنوف ويصهرها في صنف واحد وأدب واحد، هو أدب ميخائيل نعيمة.