البيئة بلا حدود… والمسؤولية تحت الاحتلال
البيئة، بطبيعتها، لا تعترف بالحدود ولا بالجدران ولا بالتصنيفات الأمنية. فالهواء لا ينتظر إذناً لعبور الحواجز، والمياه الجوفية لا تلتزم بخطوط السيطرة، والتلوّث حين يبدأ في مكان لا يتوقف عنده. غير أن هذه الحقيقة البيئية البسيطة لا تُلغي حقيقة سياسية أكثر وضوحاً: المسؤولية لا تتوزع بالتساوي، بل تقع على الجهة التي تملك القرار والسيطرة والأدوات.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن فرض غرامات مالية على السلطة الفلسطينية، واقتطاعها من أموال المقاصة بذريعة "تلويث البيئة"، عن إطار سياسي أوسع يسعى إلى إعادة إنتاج معادلة مقلوبة: احتلال يُلوِّث، ثم يتهم الضحية بسوء الإدارة. فالمسألة هنا ليست بيئية بقدر ما هي محاولة جديدة لإعادة تعريف الجريمة، وتبديل مواقع الفاعلين فيها.
الأخطر في الخطاب الإسرائيلي أنه لم يكتفِ بالاتهام، بل مضى نحو "أمننة" الملف البيئي، عبر الربط بين حرق النفايات وأعمال "إرهابية"، وكأن الدخان بات تهديداً أمنياً، لا نتيجة مباشرة لسياسات خنق ومنع، وإعاقة متعمدة للحلول. هكذا تتحول البيئة من حق إنساني إلى أداة ابتزاز سياسي تُستخدم لتبرير إجراءات عقابية إضافية.
غير أن الوقائع على الأرض تُفكك هذا الادعاء سريعاً. فبحسب تقارير صحافية إسرائيلية، من بينها ما نشرته صحيفة "هآرتس"، فإن جزءاً كبيراً من النفايات التي تُحرق في الضفة الغربية هو في الأصل نفايات إسرائيلية، تشمل مخلفات إلكترونية ومواد خطرة، يُصار إلى تهريبها عبر مقاولين هرباً من الكلفة المرتفعة لمعالجتها داخل إسرائيل وفق المعايير البيئية الصارمة.
وتشير هذه التقارير إلى أن عمليات تهريب النفايات تصاعدت بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في ظل تشديد القيود العسكرية، وتراجع الرقابة، واتساع الفجوة الاقتصادية. فالتخلص من النفايات في الضفة الغربية أقل كلفة، وأضعف مساءلة، وأكثر ربحية، فيما تتحمل البيئة الفلسطينية الثمن الصحي والاقتصادي المباشر. إنها معادلة واضحة: الربح هناك، والضرر هنا.
احتلال يُلوِّث، ثم يتهم الضحية بسوء الإدارة. فالمسألة هنا ليست بيئية بقدر ما هي محاولة جديدة لإعادة تعريف الجريمة، وتبديل مواقع الفاعلين فيها.
ولا يتوقف المشهد عند حدود التهريب. إذ تعيق إسرائيل، بصورة منهجية، المحاولات الفلسطينية لمعالجة المشكلة من جذورها. فالحواجز العسكرية تعرقل حركة شاحنات النفايات نحو المكبات المرخّصة، كما يُرفض مراراً إنشاء منشآت معالجة أو مكبات صحية في مناطق "ج"، ما يترك البلديات أمام خيارات اضطرارية، من بينها الحرق، بوصفه حلاً قسرياً في ظل غياب البدائل، رغم كونه مرفوضاً فلسطينياً.
وحتى اتفاقية أوسلو، بكل ما يحيط بها من جدل سياسي، كانت واضحة في هذا الشأن، إذ نصّت صراحة على أن التخلص من النفايات الخطرة، الإسرائيلية والفلسطينية، يتم داخل المواقع المرخّصة في إسرائيل، إلى حين إنشاء بنية فلسطينية قادرة وآمنة ووفق معايير دولية. هذا النص لا يترك مجالاً للتأويل: المسؤولية البيئية تقع على إسرائيل ما دامت تسيطر على الأرض والموارد والمعابر.
من هنا، لا يبدأ الحل بالغرامات ولا بالخطاب التحريضي، بل بوقف نقل التلوّث: بإنهاء تهريب النفايات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية، وتمكين الفلسطينيين من إنشاء وإدارة منشآت معالجة حديثة، وضمان حرية حركة شاحنات النفايات، والالتزام الفعلي بالاتفاقيات البيئية الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية بازل التي تحظر نقل النفايات الخطرة عبر الحدود.
كما أن المضي قدماً في مشاريع مثل مكب رمّون، وتسريع برامج تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي، ومعالجة الأراضي الملوثة، يشكّل استثماراً في بقاء الإنسان على هذه الأرض. فترك البيئة الفلسطينية رهينة لسياسات الاحتلال يعني تحويلها إلى أداة عقاب جماعي صامت، بطيئة في تنفيذها، لكنها ثقيلة في نتائجها.
ومع ذلك، فإن تحميل إسرائيل مسؤولية سياساتها البيئية لا يُعفي الفلسطيني، مواطناً ومؤسسة، من واجب التعامل مع ما يمكن معالجته ضمن حدود السيطرة المتاحة. فالاحتلال، رغم كونه سبباً مركزياً للتلوث، لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإهمال البيئة أو تبرير ممارسات تزيد الضرر.
المطلوب هو تقليص الأذى إلى الحد الأدنى، عبر تحسين إدارة النفايات، ومنع الحرق العشوائي، ورفع الوعي البيئي المجتمعي، وتعزيز الدور البلدي والرسمي ضمن الإمكانات المتاحة. فالفلسطيني لا يحمي بيئته لأنه مُجبَر فحسب، بل لأنه صاحب مصلحة ومسؤولية.
وكما هي الحقيقة دائماً: البيئة لا تعرف الحدود… لكن المسؤولية، دوماً، لها عنوان.