البلدة تنتظر عودة الخاطفين

البلدة تنتظر عودة الخاطفين

15 ديسمبر 2021
+ الخط -

آلت مغامرة الأصدقاء الخمسة (طاهر وأحمد وعبودي وسفيان وسليمان)، المتعلقة بخطف البنت سمارة من طرطوس، إلى الفشل الذريع. في طريق العودة، ليلاً، إلى معرتمصرين، كانوا واجمين، مقهورين، صافنين، زعلانين من صديقهم عبودي الذي غشهم، وجعلهم يصدقون كلامه، ويركضون وراء وهْم كاذب، فقد تبين لهم أن عبودي يعرف الفتاة التي يريد خطفها عن بعد، ويحبها من طرف واحد، ويظن أن اسمها سمارة، بينما اسمها عبير، وهي غير مكترثة به، وتكاد لا تعرفه، وتحب رجلاً غيره كانت لاطئة قربه، وهو يقرقع المتة، ويبقبق بالأركيلة، وينفخ عضلاته مثل محمد علي كلاي.

ولكن ماذا جرى في بلدتهم معرتمصرين في غيابهم؟

المفروض، نظرياً، ألَّا يكون أحدٌ من أهالي البلدة قد عرف شيئاً عن مغامرتهم، لأنهم، قبل أن ينطلقوا، حلفوا على المصحف بألَّا يبوحوا بالسر أمام كائن حي. ولكن ما حصل، أن السيدة أم مجدي، جارة أم عبودي، جاءت لزيارتها، بعد صلاة المغرب، وطلبت منها أن تساعدها في تنقية العدس من الشوائب، لأنها ستطبخ برغل بعدس لأسرتها يوم غد.. وخلال تنقية العدس سألتها أم مجدي سؤالاً غريباً. قالت:

- لماذا لا تذهبين إلى طرطوس وتطلبين البنت سمارة لعبودي على سنة الله ورسوله؟ أليس هذا أحسن من الخطف؟ يا ترى إذا أهل سمارة اشتكوا عليكم، ألا يأتي رجال الشرطة، ويشحطوكم جميعاً إلى السجن؟

بُهتت أم عبودي، ولم تستوعب شيئاً من هذا الكلام. وسألت جارتها:

- أنت أيش تقولين يا أم مجدي؟ ورحمة أمي وأبي كأنك تحكين معي بلغة غير العربية.

حكت لها أم مجدي أن عبودي طرقَ عليهم الباب، في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، وطلب منهم استعارة مصحفهم، فلما سأله ابنُها مجدي عن السبب، همس له بأنه سيذهب مع رفاقه إلى طرطوس لخطف بنت اسمها سمارة، وسيحلف هو وأصدقاؤه على المصحف لحفظ السر، وقبل أن يمشي استحلفه أن يُبقي الأمر سراً.. كان مجدي يريد أن يحتفظ بالسر فعلاً، ولكنني، بعدما أخذ عبودي المصحف، (طيلستُ) عليه، ولم أحل عنه حتى حكى لي الحكاية من طاق طاق إلى السلام عليكم، واستحلفني برحمة أبيه ألا أقول لأحد. وأنا لم أكن أنوي أن أذيع السر، ولكنني فكرت بك، قلت لنفسي إن جارنا عبودي يخوض مغامرة مخيفة، ولا شك أنه الآن في خطر، وقد يُلقي عليه رجالُ الشرطة القبض في طرطوس، ويدحشونه في الحبس هو ورفاقه، كل هذا وأنا أكتم السر على جارة الرضا أم عبودي؟ مستحيل..

وقعت أم عبودي، بعدما غادرتها أم مجدي، في حيص بيص. أقلقها الكلام الذي سمعته منها، وخافت، في الوقت ذاته، من إفشاء السر، لئلا ينعكس ذلك سلبياً على سلامة ابنها. وبشق النفس، استطاعت أن تمضي ساعة في الانتظار، كانت خلالها تركض إلى الباب، تفتحه، وتنظر إلى الشارع من اليمين واليسار، متوقعة أن يأتي عبودي ورفاقه.. وبعدها، ما عادت تطيق صبراً، فخرجت من الدار، ومشت هائمة على وجهها. قرعت الباب على أم صطوف، والدة سليمان صديق عبودي.. فتحت لها المرأة واستقبلتها أحسن استقبال، ولما أصبحتا منفردتين، استحلفتها أم عبودي بالله أن تبقي الأمر سراً بينهما، وسألتها إن كان سليمان قد عاد من طرطوس أم لا؟ دهشت أم صطوف وقالت:

- طرطوس؟ يا ويلي! أيش أخذ ابني سليمان إلى طرطوس؟  

وقعت أم صطوف وأم عبودي كلتاهما في مأزق نفسي عظيم، فالوقت قد قارب صلاة العشاء، ولا خبر عن الشبان الخمسة الذين ذهبوا لتنفيذ عملية الخطف. تشاورتا في الأمر ملياً، وتوصلتا إلى أن الواجب يقضي بإبلاغ أم طاهر، وأم أحمد، وأم سفيان، بالأمر، وهذا ما حصل، إذ أنهما تمكنتا من إبلاغهن خلال نصف ساعة.. وكانت أم أحمد صاحبة فكر ثاقب، فاقترحت عليهن أن يذهبن إلى (الحاج قَرَه فشة)، الملقب راديو مونت كارلو، ويسألنه عنهم، لأن هذا الرجل، ما شاء الله عليه، مثل قاشوشة الجب، يعرف أخبار البلدة كلها، فإذا كان الشبان الخمسة قد وقعوا في أيدي الشرطة بطرطوس، لا بد أن تتسرب أخبارهم إلى هنا، وإذا كانوا قد تمكنوا من خطف البنت، كذلك سيعرف قرة فشة بذلك، لأنه يمضي الوقت في السوق متنقلاً من دكان إلى دكان.

ذهبت النسوة الخمس إلى قره فشة، وشرعن يحكين له عن مخاوفهن، فتقول إحداهن إنها تخاف أن يقعوا في أيدي الشرطة، أو أن يلتم عليهم الناس، وتقع مشاجرة. وتقول الثانية إنهم ذهبوا إلى بانياس، فتصحح لها الثالثة قائلة طرطوس، وتوضح أن حارات طرطوس قد تكون معتمة في الليل مثل أزقة معرتمصرين.. وهكذا، وهو يستمع إليهن، باهتمام، حتى انتهين، فطمأنهن إلى أنه سيفهم القصة بالتقصي عنها (من تحت لتحت)، وعندما يترسمل من الموضوع سيخبرهن بالتأكيد.. فانصرفن، وكل واحدة منهن أخبرت أفراد أسرتها بما حصل، وقد أقدمن على ذلك لأنهن أيقنَّ بأن السر قد افتضح، وما عاد ثمة ما يدعو للكتمان..

وكان قره فشة، مثلما حكينا عنه من قبل، يعاني من ضعف في السمع، فلم يفهم الحكاية مثلما رويت له.. المهم أنه توضأ، وذهب إلى صلاة العشاء، وبعدما انتهت الصلاة، تقدم من الشيخ، وهمس في أذنه بأن خمسة من أبناء البلدة، هو يعرفهم واحداً واحداً، ذهبوا إلى بانياس، ولعبوا بالقمار، وبعدها خرجوا إلى الحارات، ودخلوا في زاروب معتم، مثل زواريب معرتمصرين، والتقوا بفتاة اسمها تمارة، أو عَبَّارة، أو خيارة، أو شيء من هذا القبيل، وخطفوها، والبنت ولولت فاجتمع الناس، وصار إطلاق نار، ومصيرهم الآن مجهول.

علق صديقي أبو أحمد على هذا الجزء من القصة، بعدما رويتُه، قائلاً:

- هذه ملحمة شعبية متكاملة. فكيف انتهت؟

قلت: عندما وصل الأصدقاء الخمسة، بعد العشاء بساعتين تقريباً، إلى الدوار الذي تقع فيه محطة البنزين (ترمبة الترسوسي) في معرتمصرين كان نصف سكان البلدة تقريباً، من رجال ونساء وأولاد مجتمعين هنا.

وقلت: القصة انتهت على خير، والحمد لله، ولكنها بقيت في أذهان أهل البلد، يؤرخون بها وأعراسهم وولاداتهم فيقولون: قبل خطف سمارة من طرطوس، أو بعد خطف سمارة بسنتين.. وهكذا..