البشارة إذ تتحوّل إلى معاناة في غزة
لم يكن سقوط أولى قطرات المطر في منطقتنا هذا العام حدثًا اعتياديًا، فقد جاء بعد انحباسٍ طويل واستقبله الناس كبشارة خير، لكنه في قطاع غزة تحوّل إلى مأساة مُضاعفة تكشف هشاشة الحياة التي يعيشها أكثر من مليون نازح، في قطاع نزح فيه تسعة من كلّ عشرة أشخاص، مرّة واحدة على الأقل خلال العامين الماضيين. ففي اللحظة التي احتفى فيها كثيرون ببداية موسم الخيرات، كانت خيام الناجين من عدوانٍ لم ينتهِ قَطّ تغرق تحت المطر، وتتمايل مع الرياح، وترتفع فيها صيحات الأطفال من الرعب والبرد والجوع. وبينما اختار العالم أن يعتقد أنّ الهدوء النسبي يعني نهاية المقتلة، ظلّت الحقيقة على الأرض أكثر قسوة ودموية من أن تُخفى خلف الخطابات السياسية أو الاحتفالات الدبلوماسية. فالعدوان لم يتوقّف، والجرائم لم تُطوَ، والحصار لم يُرفع، وما يجري اليوم ليس سوى فصل جديد من جريمة مستمرّة تتجاوز حدود الزمن والمكان.
لقد اختار الكثيرون أن يتعاملوا مع توقّف القصف كأنّه نهاية للكابوس، لكن سكان قطاع غزة يعرفون أنّ الجحيم لا يتحدّد بصوت القصف وحده، بل بما يليه من تجويع متعمّد، وحرمان الدواء والمأوى، وتدمير للبنية التحتية وتهجير، وإبقاء المدنيين في دائرة معاناة مستمرّة. هذا كلّه ليس نتيجة ظرف طارئ ولا كارثة طبيعية، بل هو نتاج مباشر لسياسات الاحتلال الصهيوني التي قامت على الإبادة والاقتلاع والقمع، بدعم سياسي وعسكري ومالي من قوى دولية اختارت بوعي كامل الانحياز للجلاد المُحتل على حساب الضحايا. لذلك، فإنّ مسؤولية ما يحدث في الخيام التي غرقت، وفي الأجساد التي ترتجف برداً، وفي الأطفال الذين ينامون فوق أرض موحلة بلا غطاء، تقع أولاً وأخيراً على الاحتلال ومن يسانده، كما تقع عليهم مسؤولية جرائم الاحتلال في كامل فلسطين منذ 77 عامًا.
العدوان لم يتوقّف، والجرائم لم تُطوَ، والحصار لم يُرفع
في غزة اليوم عشرات الآلاف من الأطفال الأيتام الذين فقدوا أسرهم وباتوا يواجهون الموت البطيء في خيام مُهترئة لا تصمد أمام هبّة ريح. يقابلهم عشرات الآلاف من الأرامل اللواتي يحملن مسؤولية إعالة عائلات كاملة بلا سند، إلى جانب المرضى وكبار السن الذين لا يجدون دواءً ولا علاجاً ولا حتى بيئة إنسانية بسيطة تضمن لهم البقاء. إنّ المشهد الذي خلّفه المطر الأخير ليس مجرّد صورة مأساوية؛ إنّه اختبار أخلاقي للعالم بأسره. آلاف الخيام غُمرت بالمياه، عشرات الآلاف من الناس يبيتون في البرد، والأقمشة البالية التي بالكاد تحميهم من الشمس انهارت أمام أوّل ليلة مطر، فأصبحوا مُحاصرين بين السماء التي تمطر فوق رؤوسهم والأرض التي تحوّلت إلى طين تحت أجسادهم، في ظلمة بلا كهرباء ولا دفء ولا أمل.
هذه ليست معاناة مؤقّتة كما يحلو لبعض الجهات والأفراد وصفها لتبرير تقاعسهم، بل هي جزء من سلسلة مُتعمّدة تهدف إلى سحق ما تبقى من قدرة السكان على الحياة. والحقيقة الصادمة أنّ جزءاً كبيراً من المجتمع الدولي اختار الهروب من مسؤولياته بعد توقّف القصف، هذا الانسحاب الأخلاقي والسياسي ليس حياداً، بل مشاركة مباشرة في جريمة الإبادة.
آلاف الخيام غُمرت بالمياه، عشرات الآلاف من الناس يبيتون في البرد
من هنا، يصبح واجباً أن نقول بوضوح إنّ تخلينا عن غزة، أفراداً أو مؤسسات، الآن ليس مجرّد تقصير، بل فعل خطير يساهم في استدامة المأساة. فالطريق لا يزال طويلاً، وحاجات الناجين تتجاوز ما تقدّمه الاستجابات الخجولة. الأطفال الذين ينامون الليلة في خيام غارقة سيكونون غداً جيلاً مُنهكاً نفسياً وجسدياً إذا استمرّ العالم في صمته. الأرامل سيحملن أعباءً لا طاقة لهنّ بها، والمرضى سيواجهون مصيراً مريراً بلا علاج، والمسنون سيذبلون في العراء.
إنّ سقوط المطر يجب أن يكون بشارة حياة لا سبباً لموتٍ جديد، لكن في غزة تحوّلت البشارة إلى رعب جديد. ما حدث اليوم تذكير بأنّ الكارثة لم تنتهِ، وأنّ الاحتلال الصهيوني وداعميه ما زالوا يرتكبون جرائم الحرب، بينما ما زلنا جميعًا مُقصّرين تجاه الضحايا، وما لم نتخذ موقفاً واضحاً وصادقاً في مواجهة هذا الواقع على المستويين، الفردي والمؤسسي، ستظلّ كلّ قطرة مطر تحمل معها احتمال مأساة جديدة.
إنّ مسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية أن نقف إلى جانب الضحايا، فغزة تحتاجنا اليوم، ليس بالكلام وحده، بل بالفعل والعمل والمساندة، لأنّ الوقوف معها هو الطريق الوحيد نحو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة الناس وكرامتهم وحقّهم البديهي في الحياة. تبرّعوا، وتطوّعوا، واكفلوا أسرة أو يتيماً، واسعوا بأيّ وسيلة لإيصال ما تستطيعون من غذاء ودواء ودفء، فحياةٌ كاملة قد تتغيّر بقدرٍ بسيط من إنسانيتكم.