البحث عن الأفق الضائع في "تعال أيها السّأم!"
وضع الكاتب وليد أحمد الفرشيشي مجموعة من "العتبات" لتكون للقارئ معالم على الطريق في كتابه "تعال أيها السّأم!"، أبرزها قوله في التصدير: "السّأم هو كل ما أعطي لي لمواجهة هذا العالم"، وتبدو هذه العبارة بمثابة العنوان الفرعي وأحد مفاتيح النص الأساسية. فكلّ ما يجعل من النص كتابًا له أهمية مخصوصة في كيفية إنشاء علاقتنا الخاصة به، والكاتب لا يقدّم لنا "مجموعة قصصية" بالمعنى التقليدي المُتعارف عليه، بل نصوصًا يمثّل كلّ نصّ منها على حدة وحدة مُكتفية بذاتها، لكن الحوار الداخلي بينها يجعلها تؤلّف مجتمعة "الكتاب" كما تؤلف الآلات الموسيقية المُختلفة سمفونية واحدة.
ينفتح الكتاب على مشهد صلب الحلاج وينغلق على مشهد صلب المسيح، وبينهما الموت طريق للانعتاق، والتضحية أساس المواجهة مع العالم، و"الرؤيا" دافع للشعور بالفردانية على نهج المتصوّف الذي يدرك العالم بإشراق روحي، "صرختي بلاد ليست ككل بلاد الله، بلادي مُربّع من نور يدور حوله الخلق منشدين: إننا نرى النور.."، والمنطق الداخلي الذي ينظّم حوار النصوص هذا يقوم على المفارقة، فالموت مقترن بالانعتاق والخلاص، بينما الولادة مشوّهة وقبيحة وتفتح على "ديستوبيا" يغمر فيها القبح كلّ شيء في العالم، هذا ما يجعل من لحظة الموت لحظة نورانية تتكشّف فيها الحقيقة: "المجد للإنسان وحده، لأنه النهر الصافي الخارج من ماء الحياة لامعاً كالبلّور"، ومن التعاقب الأبدي بين الموت والولادة تستمر رحلة الإنسان في البحث داخل ذاته عن الحقيقة بالكشف الصوفي لمواجهة العالم.
والكتاب واقعي جدًّا، لكنّ واقعيته بوجهين: وجه اجتماعي ووجه سحري. كلّ الشخصيات القصصية فيه لها بعدان: بعد يؤصّلها في واقع الكاتب الاجتماعي وذاكرة القارئ التاريخية، وبعد آخر في عالم الرمز حيث الغرابة المطلقة على النحو الذي تُصاغ به عوالم "الواقعية السحرية"، وكلّ النماذج البشرية تأتي من عالم نعرفه جيّدًا، لأنّ النص بكلّ مكوّناته يتحاور مع واقعنا اليوم: تونس الآن وهنا. وكأنّ الكاتب أراد لكتابه القصصي أن يكون مرآة، لكنها مرآة قذفت بحجر فانشطرت إلى مئات الشظايا، وصارت تُعيد إلينا وجوهنا تارة على هيئة مُضحكة وتارة أخرى على هيئة مُفزعة وقبيحة.
في كلّ قصّة من قصص الكتاب حوار ومساءلة واكتشاف
هناك نموذجان جيّدان للتدليل على حوار النصوص والشخصيات المباشر والشفاف مع عالمنا: نموذج المثقف المهزوم الذي كتب "موجز تاريخ البشرية من خلال عيني مونيكا بلوتشي" ويقف يائسًا في مقبرة المخطوطات أمام ناشر نظامي ليبرّر له كيف جمع "الله وأنبياءه مع عتوقة وصليحة والباجي قايد السبسي وعبد الرحمن الكافي..." للإجابة عن أسئلة الجنس البشري الأبدية. ونموذج المفتّش الأحمق الذي يعتقل الأطفال لأنهم يُسوّدون الجدران بدعايات مناهضة للنظام. المفتش الذي تحوّل اليأس في قلبه إلى "كويكبة نجوم تجرّ الكراهية تجاه البشر والعالم"، ومن خلاله يقدّم الكاتب قراءة بسيكولوجية لأدوات القهر في دولة الاستبداد.
من خلال هذه النماذج وغيرها يفكّك الكاتب عالمنا كما يفكّك ساعاتي منبّهًا قديمًا ويُعيد بناءه وتركيبه على نحو مختلف، يحوّله من عالم منظّم ميت، إلى عالم فوضوي حيّ. ولن يتحقّق ذلك إلا بالسّأم الذي يستدعيه الكاتب في العنوان لأنه "أداة لمواجهة العالم". والسّأم حالة وجودية تختزل الفراغ الداخلي والانفصال عن الواقع، فضلًا عن دلالتها الأصلية على الملل والضجر وفساد العالم. نقرأ في نصّ "هذا الجوع يقتلني يا حلوة" قوله: "أنا لا أهرب... كلّ ما أفعله هو السير في جثّةٍ ينهشها السّأم وأضحك"، كذلك نقرأ كيف يكون السّأم منتهى وعي السياسي اليساري إيذانًا بموته: "قال السياسي اليساري: هذا العالم مملّ على نحوٍ يبعثُ بالسّأم إلى قلبي! ثم أسلم الروح".
لكن المعنى الوجودي الفلسفي العميق للسّأم يتطوّر في نص "الأفق الضائع" من خلال حوارية "بلا رأس ولا ذيل" بين الراوي ومتسوّل، مربضه بين "حانة الفردوس" وجامع "السّأم"، وكأنّ الراوي وهو يحاوره يحاور ذاته ليعيد اكتشاف طريق النور، أفق الخلاص الضائع. وفي هذه الحوارية التي يصبح فيها المتسوّل مصدرًا للحكمة والمعرفة "العادات سجّان لا يرحم"، والإيمان الحقيقي لا يتعلّق بالقرآن أو بالإنجيل، بل شرطه الأساسي الإنصات الجيّد إلى أيّ منهما!
الكتاب رحلة في أعماق الذات البشرية وحوارات متشعبة على مسرح التجربة الوجودية
في كلّ قصّة من القصص حوار ومساءلة واكتشاف، وعبر هذه الحواريات يتطوّر معنى "السّأم" ويصبح "ذلك الشيء الثمين الذي يستحقّ أن ننبش عنه التراب مثل الغربان"، السّأم الحقيقي إذن هو ثمرة الكشف والمعرفة اللذين يتحقّقان بالحوار والمُساءلة، وبلوغ المنطقة القصوى في الوعي، والكتاب ليس منغلقًا على ذاته، بل يبدو كالحوض الذي تلتقي فيه نصوص شتى حول "السّأم" بوصفه أعلى درجات وعي الذات بذاتها.
والسأم بالمعنى الوجودي له نظير لدى الكاتب الإيطالي، ألبرتو مورافيا، إذ يولد من الشعور بعبثية واقع ناقص، ليعكس غياب العلاقات بين الأشياء، والتاريخ عند بطل رواية "السأم" الرسام الأرستقراطي الذي فقد الشغف، لم يكن قائماً، لا على التقدّم ولا على التطوّر البيولوجي أو العامل الاقتصادي، إنما هو قائم على السّأم: "لقد سئم الرب فخلق الأرض والسماء والماء والحيوان والنبات، ثم خلق آدم وحواء، وسئم هذان بدورهما في الجنة فأكلا الثمرة المحرمة". هنا النقطة التي يلتقي فيها الفرشيشي مع مورافيا: السّأم هو النقطة التي يكون منها الخلق.
إنّ مواجهة العالم في كتاب "تعال أيها السّأم!" مشروع فكري ينطلق أولًا من معرفة الذات بالوقوف أمام مرآة مشطورة لا تعيد إلينا صورنا كما تفعل الواقعية الاجتماعية، إنما ترينا إياها بشكل عجائبي، والكتاب ممتع لعمقه الشعري واتّساع الرؤيا فيه بعبارة منفتحة على آفاق بلاغية وصور مجازية لا حدّ لها. إنّه رحلة في أعماق الذات البشرية وحوارات متشعبة على مسرح التجربة الوجودية، كتاب نتوغل منه إلى أعماقنا بحثًا عن الخلاص، ذلك الأفق الضائع.