الاستعارة في خطاب الحرب: مقاربة في فكر جورج لايكوف

11 نوفمبر 2025
+ الخط -

‏يقول أستاذ اللسانيات العرفانية في جامعة كاليفورنيا جورج لايكوف: "لم تدخل الإدارة الأميركية الحرب على العراق بالسلاح فحسب، بل دخلتها أيضاً بترسانةٍ استعاريّة". يبهرني ذكاءُ لايكوف الاستعاري، ناهيكَ عن هدفه التوعويّ الذي يدعو إلى إدراك الواقع وفهمه بالتفكيرِ بالاستعارة، إذ ينظرُ إلى الاستعارة على أنّها "آليّة أساسية لترميز المعرفة". وإن نظرنا إلى الاستعارات بوصفها جزءاً من خطابنا اليومي، فسنجدُ أن "الفكرَ كله استعاري".

إن الخطابات السياسية المستعملة في الحرب قائمة على استعارات خطيرة، قد تخفي الجرائمَ وقد تقتل. فاللغةُ وسيلةٌ تنتجُ أفعالاً خطيرةً، خصوصاً على المستوى السياسي، وقد تفضي إلى القتل.

يفترض لايكوف نسقين تصوّريين في فهم الحرب بوصفها سياسةً، نسقاً يستعمله الخبراءُ السياسيون، وآخرَ يستعمله عامّةُ الناس.

في النسق الأول، تحدّث لايكوف عن استعارتين رئيسيتين: استعارةِ كلاوزفيتز: "الحربُ سياسةٌ تُقام بوسائلَ أخرى"، واستعارةِ السياسة صفقة (ربح وخسارة). فالأولى ترى في الحرب أداةً لتحقيق أهداف الدول السياسيّة، وهي قائمة على مبدأ المصلحة الخاصة النفعية، لا الأخلاقية، وتنظرُ إلى السياسة بوصفها اقتصاداً يحسب خسائر الحرب وأرباحها بناءً على افتراضاتٍ مسبقة. فكلُّ هذه المحددات استعاريّة، لا حقيقيّة، كما يُنظرُ إليها.

أما الاستعارةُ الثانية، فيمكن إدراجها ضمنيّاً في الأولى؛ إذ إنّ النشاط التجاري الناجح يفترض أن "تحافظ الحكومة على التوازن بين الكلفة والرّبح".

كما يلفت لايكوف الانتباهَ إلى وجود محدداتٍ استعاريّة أخرى، لكنها أمورٌ حقيقيّة في الواقع، وذلك من خلال تحديد التناسب بين الكلفة والرّبح. فاستخدامُ الاستعارةِ بمجموعةٍ من التحديدات يكون مؤلماً وحقيقيّاً حين تكون هناك جرائمُ كقتلٍ ونهبٍ وظلمٍ وتجويعٍ وقطعٍ للأوصال. فكلُّ هذه الأمور (نتائجُ الحرب) ليست استعاريّة، بل واقعية ملموسة. وهكذا، تفترض استعارة كلاوزفيتز حسابَ أرباح الحرب وخسائرها: خسائرَ صحيةً، اجتماعيةً، ماليةً، وعسكريةً.

الخطابات السياسية المستعملة في الحرب قائمة على استعاراتٍ خطيرة، قد تخفي الجرائمَ وقد تقتل. فاللغةُ وسيلةٌ تنتجُ أفعالاً خطيرةً

فلننظرْ إلى استعارةٍ أخرى: "الحرب جريمةٌ عنيفة". فالحرب، مهما كانت أسبابُها، تبقى جريمةً إنسانيّة. لقد عرفنا أن استعارة كلاوزفيتز –في فهم الحرب– تخفي المبدأ الأخلاقي، ولعلّ إسقاطها على المخططات الأميركية يمنحنا تفكيراً عقلانياً لا أخلاقياً. فالغزوُ العراقي للكويت، مثلاً، لا يمكن تبريره حساباً عقلانياً. واستعارةُ "الحرب جريمة عنيفة" يمكن أن نتمثّلها في ذلك الغزو، وما نتج عنه من ضحايا قتلى وجرحى ومصابين.

تجدرُ الإشارةُ إلى أنّ هناك استعاراتٍ أخرى تحدث عنها لايكوف، منها استعارة "الدولة شخص".

في هذه الاستعارة، تصور الدولة كشخصٍ له علاقات اجتماعية وممارسات سياسية واقتصادية، ويتمتع برفاهيّة هي ثروةٌ اقتصادية أو صحية. وبالتالي، فإن أي تهديدٍ لتلك الثروة يعد تهديداً بالقتل. كما أن قوة الدولة تقاس بالقوة العسكرية، تماماً كما تقاس قوة الإنسان بجسده. لذا يمكن اعتبار الدول الصناعية "أشخاصاً ناضجين"، والدول غير الصناعية "أشخاصاً قاصرين".

تدخل هذه الاستعارة في إطار استعارة "الحاكم دولة"، وتكمن خطورتها في أنها تسمح بتبرير الحرب. فإذا كانت أميركا تعتبر صداماً هو العراق، فإن الحرب لن تُشن على صدام وحده، بل على الشعب العراقي بأسره، وهذا ما تخفيه الاستعارة؛ فهي قد تقتل!

في أحد مشاهد فيلم "The Terminal"، يوقفُ ضابط في مطار جون إف كينيدي الدولي المسافرَ ڤيكتور نافورسكي من دولة كراكوزيا (وهي دولة متخيلة)، ليمنعه من دخول نيويورك بعد وقوع انقلابٍ في بلاده، ما دفع الولايات المتحدة إلى رفض الاعتراف بجواز سفره ومنعه من دخول أراضيها. علل الضابط قراره بأن نافورسكي يُشكل خطراً على أمن الولايات المتحدة لأن دولته تشكّل خطراً عليها، فتحوّلت المسألة من قضية عامة إلى مصلحة شخصية.

ويطرح لايكوف سؤالاً: هل الحربُ عادلة؟

يبرر لايكوف أن استعارة كلاوزفيتز –وهي نفعية في جوهرها– تُقدم بوصفها أخلاقية من خلال حكاية "الحرب العادلة"، وهي حكاية خرافية تبنى على شخصيات (البطل، الشرير، الضحية) وبنى سردية (السيناريو).

في حرب الخليج الثانية، اعتبر بوش الأب العراقَ شريراً، وأميركا بطلاً، والكويت ضحيةً. فالجريمةُ التي ارتكبها العراق هي تهديدُ "العافية الاقتصاديّة" الأميركية، أي تهديد بالقتل! وهذا السيناريو استعمله بوش الأب للدفاع عن النفس. وعندما وصف الغزو العراقي للكويت بـ"الاغتصاب"، كان ذلك سيناريو للإنقاذ.

دخلت أميركا الحربَ لخدمة مصلحتها الشخصيّة، فكانت بالنسبة للكويت والسعودية "البطل"، لكن بالنسبة للعرب كانت قوة معتدية. رأى الشعب الأميركي حربَ العراق عمليّةَ إنقاذٍ للشعب العراقي والدول المجاورة، لكنها في الحقيقة حرب هددت أمن الشعب العراقي.

يصعب تجاوز التأطير بالحقائق وحدها، لأنه مرتبطٌ بالبنى الذهنية وبالشبكات العصبية في الدماغ، فلا يمكن اقتلاعه بسهولة حتى بعد انكشاف الحقيقة

هذه الحالة يسميها لايكوف "التأطير" (Framing)؛ أي تشكيلُ الوعي الجمعي عبر استعارات توجه الإدراك. فالشعب الأميركي رأى الحرب إنقاذاً، بل إن جزءاً من الشعب العراقي اعتبرها كذلك في البداية، فاستقبل الأميركيين بالورود. غير أن الواقع كشف أنها حرب حقيقية مدمرة.

ومع ذلك، يصعب تجاوز التأطير بالحقائق وحدها، لأنه مرتبطٌ بالبنى الذهنية وبالشبكات العصبية في الدماغ، فلا يمكن اقتلاعه بسهولة حتى بعد انكشاف الحقيقة.

انتهت حرب الخليج بانسحاب العراق من الكويت، وهو ما اعتبره الأميركيون نصراً، لأنهم دمّروا جزءاً من القوة العسكرية العراقية دون إسقاط النظام. غير أن بوش الأب كان يسعى إلى إعادة الكويت إلى الحكم، وضمان بقاء أسعار النفط منخفضة، وتجنب إثارة غضب الدول العربية.

فلو أُزيح صدام دون إضعاف الجيش العراقي، لاعتبر ذلك تهديداً استراتيجياً يؤدي إلى تنامي الإرهاب وغياب التعاون العربي. أما إذا دمر الجيش العراقي بالكامل، فستندلع حرب أهلية داخلية. لذلك، حتى أقرب السيناريوهات إلى النصر لا يبدو نصراً حقيقياً، بل حلقةً جديدة في سلسلة الخسارات الأخلاقية والسياسية.

وفي سياقٍ موازٍ، لكنه بعيد عن السياسة، يذكر توماس هينريكس في مقالته "لماذا يشعر الناس بالحاجة للإفصاح عما لا يعجبهم للآخرين؟" أن مرشداً سياحياً من برشلونة كان يكره فريق ريال مدريد إلى درجة أنه يفضّل خسارة فريقه على فوز خصمه، مبرراً ذلك بأن مكاسب الخصم تعد تهديداً لمكانتنا وقوّتنا وسعادتنا.

وهكذا، يظهر ما يرمي إليه لايكوف حين يقول إننا لا نسمّي الشيءَ "خسارة" إلا إذا كان نافعاً لنا. فحتى في أبسط مظاهر التنافس في حياتنا اليومية، تتشكل تصوراتنا عبر استعارات تحكم ما نراه مكسباً أو تهديداً، فوزاً أو خسارة.