الاستثمار في اللجوء

09 نوفمبر 2025
+ الخط -

يرسم المشهد العام للشتات السوري ملامح حادة ومُستجدّة على واقع اللجوء والحياة اليومية للاجئين السوريين في أوروبا، وخصوصاً في الدول التي شهدت لجوء أعداد كبيرة من السوريين مثل ألمانيا والسويد وهولندا وفرنسا والدنمارك. كذلك تتغيّر خريطة عودة اللاجئين إلى سورية يومياً، في ظلّ أشكالٍ مُتعدّدة من العودة، كالعودة النهائية للعائلات أو للأفراد، أو عودة جزء من أفراد العائلة وبقاء الجزء الآخر حسب الوضع الخاص لكلّ عائلة، وبخاصة السن وقوّة العمل. كذلك ترتبط العودة بتقييم الأوضاع العامة والخاصة في سورية مع التركيز على سؤالٍ محوري متعلّق بجدوى العودة أو البقاء.

 ثمّة أسئلة لم تُطرح سابقاً في إطار قضايا اللجوء، خصوصاً أنّه عبر موجات اللجوء المُتكرّرة كانت أعداد العائدين دوماً أقلّ من أن تُحصى، وأقلّ من أن تُشكلّ صراعاً حاداً بين السياسيين والرأي العام في الدول المُستقبلة للاجئين. في المقابل أيضاً كانت كلفة المتبقين أقلّ من أن تُشكّل تهديداً حادًا للموارد في ظلّ أزمة اقتصادية راهنة تعصف بالعالم وتحوّل بعض الدول الأوروبية إلى دول خاسرة تعاني من تراجع اقتصادي حاد يهدّد واقعها ومستقبلها وأوضاع مواطنيها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية. 

لطالما أرخى الوضع الاقتصادي بظلاله على المساعدات المُقدّمة للاجئين، ولطالما سعت الدول المستقبلة لهم لموازنة الكفة، ما بين ما تقدّمه للاجئين وما تجنيه من مواردهم، وأوّل الموارد وأهمها قوّة العمل، هذا عدا عن الانعطاف الحاد عالمياً في عدة مسائل، الذي بات يُحتّم على الدول زيادة دعم مواطنيها بالمساعدات وزيادة كُلف الصحة والسكن والتعليم والمواصلات، والاهتمام بكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة وحماية البيئة. والأكثر تعقيداً اتساع خريطة الحروب وكلفتها العالية وحصص الدول الأوروبية من سداد تلك الكُلفة.

 الاستثمار في اللجوء هو عملية مستمرّة، ما قبل اللجوء وأثناءه وعند انتهائه أو محاولات إنهائه

كلّ ما سبق، فرض واقعاً جديداً دفع بعض الدول إلى تقديم خيارات مُخصّصة للاجئين السوريين مثل التعويضات المالية المُتفاوتة بين دولة وأخرى، التي وصلت إلى رقم قياسي في الدنمارك تجاوز السبعين ألف يورو لعائلة مكوّنة من خمسة أفراد سوريين، كتغطية مالية مقابل العودة النهائية إلى سورية. وعلى الصعيد المعاكس، أي الخيارات المُتعارضة مع رغبة السوريين وموافقتهم، لجأت بعض الدول إلى التلويح بقوائم الترحيل الفورية التي تحوّلت إلى واقع يهدّد الكثيرين، وخصوصاً من لا تنطبق عليهم شروط الإقامة القانونية أو اكتشاف تقديمهم لوثائق مزوّرة أو غير صحيحة، كذلك، للذين لم يندمجوا بشكل فعلي، أي من بقوا من دون عمل ومن دون تعلّم للغة، ما يوقعهم في خانة طالبي المساعدة الدائمة. أو لمن ارتكبوا جرائم وتجاوزات قانونية تجعل من عودتهم أو ترحيلهم حلولاً مرجوة اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً.

يبدو أنّ الاستثمار في اللجوء عملية مستمرّة، ما قبل اللجوء وفي أثنائه وعند انتهائه أو محاولات إنهائه. اللاعب الأساسي في هذا الاستثمار هو المصلحة الفعلية لأطرافه كافة، خصوصاً أنّ البدايات، وإن رُسمت خارج إرادة اللاجئين أو الدول المُستقبِلة بصورة كاملة، لكن تبقى المصلحة هي العامل الأكثر حسماً عند دنو الفرص المناسبة، أو التي يظنّ ملتقطوها أنّها الفرصة المناسبة تماماً، وبالتالي يجب إعلان لحظة البداية.

ترخي لحظة البداية المُرتبطة بتغيّر الظرف السياسي في سورية بعد سقوط النظام بظلالها على آلية الاستثمار باللجوء، لكن من الزاوية الوطنية، أيّ الشأن السوري. لقد ولّد الاستقطاب الحاد في مجتمع اللاجئين السوريين أنفسهم صراعاً وتنازع مصالح فعلية وصلت إلى رفع دعاوى قانونية من قبل سوريين ضدّ سوريين آخرين تحت مبرّرات التنمّر ونشر خطاب الكراهية، وصولاً إلى الاعتداءات اللفظية والجسدية وتهديد الحياة. وهذا كلّه، وضمن تعقيدات المشهد السوري العام وانعكاساته في دول اللجوء، قد يولّد أيضاً فرصة استثمارية إضافية ومستجدّة تسمح لبعض الدول بمضاعفة أعداد العائدين أو المُعادين، كلٌ حسب المصلحة في بقائه من عدمها.

سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك
مدوّنة سورية تقيم في دمشق. تكتب مقالات وتحقيقات صحافية. وصدرت لها ثلاث مجموعات قصصية. تكتب في مواضيع النسوية والجندر وتهتم بقضايا العنف الاجتماعي.