الإنسان المعاصر... إلى أين يمضي؟
نحن نُربي سجوناً فكرية باسم الطائفة والهوية، ونتربّى على أن هذه من أساسيات الحياة، بل من مقوّمات الوجود. نرى العالم من خلال ثقوب تلك السجون. لكن، ما الوجود الحقيقي؟
هنا يبرز السؤال من وجهة نظر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، مؤسس الظاهريات الحديثة، ومثير إشكاليات الوجود، والتقنية، والحرية الحقيقية.
يتضح لاحقاً في جوابه أن كل موجود، بقدر ما هو موجود، يفهم على أنه ذاتي. ومن هذا المنطلق انطلقت المقولة الشهيرة: "الإنسان مقياس كل شيء".
فالذات لم تكن ظاهرة فكرية ظهرت فجأة، بل خضعت لمسار طويل من التشكل، أو ربما كانت بناءً أقامه الفلاسفة حجراً بعد آخر، بدأبهم، ودعموه بعطائهم المتواصل.
من جانب آخر، أسس الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل فلسفته الشمولية للتاريخ، التي تعد من أبرز منتجات العقل الإنساني، مشدداً فيها على مفهوم "الوعي"، ومعتبراً أن "الوعي بالذات" هو السمة الأساسية للإنسان؛ إذ يمنحه القدرة على الارتداد إلى ذاته، وهو ما يشكل جوهر الفكر بمعناه: الانعكاس أو الارتداد.
تكمن حرية الذات الإنسانية في تجاوزها لكل تصنّع أو زيف قد يبعد أفعالنا عما يجب أن تكون عليه في بعدها الحقيقي
وفي "جدلية السيّد والعبد"، يؤكّد هيغل أن وعي الذات لا يتحقق إلا من خلال وعي الآخر، في إطار ازدواجية الوعي، وهي جدلية تفضي إلى ولادة الذات ونضوجها تدريجياً. فتكتمل ذات الإنسان شيئاً فشيئاً، خصوصاً في المرحلة العلمية الوضعية، وتكمن حرية الذات الإنسانية في تجاوزها لكل تصنّع أو زيف قد يبعد أفعالنا عما يجب أن تكون عليه في بعدها الحقيقي. وهنا، تتجلى حرياتنا في عمق علاقتنا بذواتنا.
وبما أن الذات تعني، ببساطة، إضفاء دورٍ محوري للإنسان في الوجود، فإن السؤال الأهم الذي يواجه واقعنا المعاصر، وقد تولّدت عنه سلسلة من التساؤلات، هو: أين يقف الإنسان المعاصر اليوم؟
لو تأملنا في تاريخ الإنسان، لرأينا أنه كان في حالة من التطور والارتقاء منذ أن بدأ يزرع الشجر، ويُطوع الحجر والمعدن لخدمته، إلى ما بعد سلسلة الاختراعات التي صبت كلها في صالح رفاهيته، وراحته، وتحقيق طمأنينته. لكن، ما الذي حصل تحديداً بعد الثورة الصناعية، وبعد القرن العشرين؟
لقد بدأنا نُلاحظ انحداراً في قيمة الإنسان، ومع كل هذا التطور الهائل في الأدوات والابتكارات، بدأ جوهر الإنسان بالتلاشي. وكلما تقدم العالم مادياً، تراجعت قيمة الإنسان وجودياً.
وهناك شواهد كثيرة على ذلك: فالدول الأكثر تقدماً والأعلى دخلاً، هي ذاتها التي تشهد أعلى نسب الأمراض النفسية، كالقلق، والاكتئاب، والشعور بالخواء، وكل هذا على حساب إنسانيتنا.
لقد أصبح التطور الصناعي، الذي زاد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وبقائه الطويل في الغلاف الجوي، يخنق كل شيء من دون أي محاولة جادة لضبطه. هذا ما أدى إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، وقد يُفضي مستقبلاً إلى كوارث بيئية خطيرة، منها جفاف بعض الأنهار وغرق أخرى، بعد ذوبان ما نسبته 0.2% من القطبين المتجمدين.
كما ترافقت هذه الظواهر مع تغيرات مناخية حادة، وتلوث بيئي واسع، ساهما في انتشار أمراض جديدة أصبحت من سمات العصر الحديث.
وماذا عن الكوارث الطبيعية المدمّرة؟
حرائق غير مسبوقة، فيضانات، أعاصير مدمّرة. وكأن البيئة بدأت تعلن غضبها على الإنسان.
في وقت أصبح فيه انحسار التسامح سِمة بارزة، انتشرت حالة من الضيق تجاه الآخر، بما في ذلك العنصرية، والتعصب القبلي والطائفي والقومي والعرقي
من جانب آخر لا يقل أهمية، وفي وقت أصبح فيه انحسار التسامح سِمة بارزة، انتشرت حالة من الضيق تجاه الآخر، بما في ذلك العنصرية، والتعصب القبلي والطائفي والقومي والعرقي.
إضافة إلى ذلك، برزت التشكلات الحزبية، وعلى رأسها اليمين المتطرف بصيغتيه القومية والدينية، والذي بات له نفوذٌ كبير في العالم، ما يجعل من التنبّؤ بعودة أيديولوجيات موازية للنازية أو الفاشية أمراً ممكناً.
أما البراغماتية، فقد أصبحت بلا ضوابط أخلاقية تقيدها تجاه الإنسان، وجميع المؤشرات تدل على أننا دخلنا فعلاً في مرحلة نهايته.
فهل يمكن لهذا الإنسان أن يوقف تلك الكوارث ويتخلى عن جشعه، الذي أخذ يتقدم بصورة خطيرة؟ هل أصبح الإنسان أداةً للتطور والتراحم والنشأة الفطرية الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي والرأسمالية، أم العكس؟ أين تتجلى إنسانيتنا؟
لقد صار الإنسان يُستهلك رويداً رويداً حتى يموت، تحت مسميات كثيرة، منها "القفزة التكنولوجية" و"الرأسمالية"، التي حولت الإنسان إلى مجرد مادة مستهلكة، لا أكثر.
ومع كل ذلك، يبقى التحدي الأهم لهذا الكائن أنه طور عقلاً، لكنه بات عاجزاً عن كبح اندفاع هذا العقل، الذي يسير بطريقة غير منضبطة، بل مخيفة وقاتلة، كمن ابتكر آلةً متحركة لنقله، لكن الآلة أفلتت من سيطرته، وصار من الصعب التحكم بها، حتى أودت به إلى الهاوية.
لذا، ما أحوجنا اليوم، في هذه اللحظة الحرجة من تاريخنا، إلى التساؤل عن الوجود، والتفكير في واقعنا، أو العودة به قليلاً إلى الوراء، حيث كان الإنسان يتطلّع إلى حضورٍ يضمن له وجوداً أصيلاً، ويحقق له حريته وكرامته. لكن، رغم ذلك، يبقى هذا هو التحدّي الأكبر والحقيقي أمام الإنسان المعاصر.