الأفكار عندما تصبح مقدسة

22 ديسمبر 2025
+ الخط -

امتاز الإنسان بنعمة التفكير عن سائر المخلوقات الأخرى، وما الحضارات والتحوّلات التي طرأت عليه عبر القرون المتلاحقة منذ الخليقة إلا ثمرة هذا التفكير.

وقد جاءت الأديان بتعاليمها إلى هذا الإنسان الذي بدأ يشق طريقه على هذه الأرض، فتعلّم منها أن تعاليم السماء مقدّسة، وأن كل ما يمسّ الدين من قريب أو بعيد هو مقدّس. وهذا ما فتح الباب للكهنة لاستغلال البشر باسم الإله أو المعبود، وفتح كذلك باب التلاعب بأفكار المتلقّين وإخضاعهم، على اعتبار أن ما يقولونه أو يباركونه إنما هو مباركة من الإله المعبود.

ثم ظهرت بعد ذلك مفاهيم قولبت هذا الأمر، خصوصاً بعد تحالف الطرف الديني، المتمثل بالكهنة، مع الجانب السياسي، المتمثل بالحكّام، فأضفى الأولون على الآخرين صفات القداسة بمسميات ما زالت عالقة في أذهاننا بعد كل هذه القرون، مثل: "ظلّ الله في الأرض" و"الحق الإلهي" وغيرها.

إن هذا التقديس لم ينبع من الكتب السماوية، بل من "لَيّ" أعناق نصوص هذه الكتب لمصلحة طرف ليستعلي على أطراف أخرى. والتاريخ الإنساني مليء بالأمثلة على هذه الأفكار؛ وما سلطة الكنيسة المسيحية في القرون الوسطى في أوروبا بخافية عنا، ولا كيف ظهرت حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر في القرن السادس عشر الميلادي، وأدّت إلى ظهور البروتستانتية.

إن تقديس الأفكار البشرية، التي لا تتجاوز الفهم الإنساني — المشوب بالقصور مهما تكامل — للنصوص الدينية، يُعدّ من أكبر الآفات التي تصيب الشعوب، وتجعلها تتفرّق إلى مذاهب شتّى.

إن تقديس الأفكار البشرية يُعدّ من أكبر الآفات التي تصيب الشعوب، وتجعلها تتفرّق إلى مذاهب شتّى

في الشرق كذلك


ونحن في الشرق، لعبت السياسة دورها في تقسيمنا إلى مذاهب متعددة وفِرَق نقرأ أسماءها في كتاب "الملل والنحل" للشهرستاني، الأمر الذي يصيبنا بالعجب من كثرتها وتفرّقها عن المنبع الأصيل.

وعلى الرغم من أن تلك الفِرَق قد اندثرت بمسمياتها، فإن الأفكار لا تموت؛ بل تُبعث من جديد، ولو بقوالب مختلفة ومسميات عديدة في الظاهر، لكنها في الجوهر امتداد لتلك الأفكار القديمة، بعد الحذف والقطع والزيادة والنقصان، بما يناسب الزمان والمكان.

وأنا المسلم اليوم، في القرن الحادي والعشرين الميلادي، أتساءل: ألا يمكننا — نحن المسلمين — أن نكون مسلمين فقط؟ بعيداً عن تصنيفات تشبه تصنيف "لينيوس Linnaeus" للمملكة الحيوانية، من حيث الطائفة والرتبة والفصيلة والجنس والنوع؟

إن تصنيف المسلمين اليوم يربكني حقاً؛ فمن أنا؟
هل أنا سني؟
وإن كنت كذلك، فمن أي رتبة؟
من الشافعية أم المالكية أم الحنبلية أم الحنفية؟
ومن أي فصيلة؟
هل الوهابية أم السنوسية أم غيرها؟

وكذلك إن كنت شيعياً، فمن أي رتبة؟
من الإمامية الاثني عشرية أم الزيدية أم الإسماعيلية؟

وإذا افترضنا أنني محايد، ولم ألتزم بهذا التصنيف "الإسلامي" الحديث، وقررت أن أكون مسلماً فقط، فلا بد أن يظهر متسائل يقول لي: ماذا تعني بمحايد؟ من أي فصيل للحياد؟
هل هو حياد سلبي أم إيجابي أم "مصلحي" أم ماذا؟

إذن، لا مفر من التصنيف ولا فكاك منه؛ فنحن مرصودون دائماً ومحاصرون بهذه التصنيفات وغيرها. وهذه التصنيفات كانت نتاج متاهات صنعناها بأنفسنا تحت غطاء الخلافات السياسية التي تلبّست بأسماء عديدة، وروّجتها أبواق الإعلام التابعة لهذا الفريق أو ذاك. ولو أننا سمّينا كل الخلافات باسمها الحقيقي، أي "سياسية"، لما تضخّمت إلى الصورة التي نراها اليوم في دولنا العربية.

فمن يستطيع أن يجمع الناس على قلب رجل واحد في آرائهم وتوجّهاتهم، أو يصبغهم بلون واحد؟ والاختلاف، كما نعلم، سنّة كونية. لكنه الاختلاف المحمود الذي لا يؤدي إلى تمزيق الأوطان أو تشرذمها من أجل مصالح ضيقة لهذا الفريق أو ذاك، لا ما يجري الآن.

أفكار التاريخ


إذا أردنا أن نقرأ تاريخنا العربي الإسلامي، فيجب أن نقرأه بحذر، لنتعلّم منه، لا ليصبح قيداً علينا يربطنا بجزئيات الماضي، حتى يغدو أموات الأمس متحكّمين في أحياء اليوم.

علينا أن نعي أن ذلك تاريخ قد مضى، وأن إعادته بحذافيره من رابع المستحيلات، ومن يعيش على هذا الوهم سيكون مغتربًا عن زمانه المعاصر.

إن حجم المغالطات المتراكمة عبر القرون الخوالي في فهمنا لديننا الحنيف، ندفع ضريبته اليوم. وقد تسرّبت تلك المغالطات من أفكار دُسّت في التاريخ عبر روايات مختلفة، وكانت بدايتها بعد الانقلاب الأموي على الخلافة الراشدة سنة 41 هجرية، لكننا نصمت عن ذلك، ونصرّ على دفن رؤوسنا في الرمل كالنعام. وقد استمر هذا "الدس" طويلاً، على مدى نحو 1400 عام، وكأنه غير قابل للمراجعة.

إن منظورنا العربي القائم على القبيلة والتغلّب انعكس على فهمنا لديننا الحنيف. ففي الفقه، على سبيل المثال، قاعدة تقول: "مَن اشتدّت وطأتُه وجبت طاعته".
ألا تصنع هذه الفكرة - ودعني لا أسمّيها قاعدة - عشرة مستبدين، وليس مستبداً واحداً فقط؟
وثقافة "المستبد المستنير" بدورها ثقافة عجيبة؛ فمثل هذه الثقافة السائدة قادرة على صناعة كل عجيب، والأعجب أن يكون ذلك باسم الدين.

أما قراءة تاريخنا من منظور الآخرين، فهي عملية مضحكة ومبكية في آن واحد.
فهل أصبح الآخر يعرف عنا ما لا نعرفه عن أنفسنا؟
يقول المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد: "العالم الإسلامي أصبح يتعلّم عن ذاته ويتعرّف إليها عبر صور وتواريخ ومعلومات مصنّعة في الغرب".

حتى في قراءتنا المغلوطة للتاريخ، لم نستفد شيئاً؛ بل في كل قراءة نستحضر أحقاداً قديمة وننفخ فيها الروح.
ويقول كارل ماركس: "إن التاريخ يعيد نفسه؛ في المرة الأولى بوصفها مأساة، وفي الثانية بوصفها مهزلة".
ويبدو أن لهذه المقولة استثناءً في الديار العربية؛ فالتاريخ عندنا، في كل مرة يعيد نفسه، يكون مأساة.

ولا غرابة في ذلك، لأننا لا نتعلّم من أخطاء التاريخ أبداً، فيصدق علينا قول الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا: "أولئك الذين لا يستطيعون تذكّر الماضي يُحكم عليهم بتكراره".

وها نحن نفعل ذلك، للأسف.

عبد الحفيظ العمري
عبد الحفيظ العمري
عبد الحفيظ العمري
كاتب ومهندس من اليمن، مهتم بالعلوم ونشر الثقافة العلمية. لديه عدّة كتب منشورة إلكترونيا. الحكمة التي يؤمن بها: "قيمة الانسان هي ما يضيفه للحياة ما بين حياته ومماته" للدكتور مصطفى محمود.
عبد الحفيظ العمري