الأسلحة السينمائية الفاسدة (7)

الأسلحة السينمائية الفاسدة (7)

20 سبتمبر 2021
+ الخط -

فيما عدا أفلام الجاسوسية التي انكسرت ذروتها مع بداية التسعينات، خصوصاً حين لم تحقق نفس نجاح المسلسلات التلفزيونية، ظلت إسرائيل حاضرة في السينما المصرية بوصفها "الطرف الثالث" أو "اليد الخفية" التي تقف وراء تجارة المخدرات وعصابات الإجرام، وإن لم يشر إلى ذلك صراحة في هذا الفيلم أو ذاك، يأتي ذكره تلميحاً أو ترميزاً أو في خطبة وطنية موجزة يلقيها أحد أبطال الفيلم في لحظة تنوير يُراد بها إرضاء المشاهد الذي شاهد الموبقات أمامه على الشاشة، ويهمه قبل أن يغادر السينما أن يقول لنفسه إنها ليست سوى رجس من عمل الشيطان الخارجي الذي ربما يكون قد نجح في إغواء بعض أبناء الوطن، لكنه لن يستطيع أن يقوم بتوطين شره في تراب الوطن المحروس بالعيون الأمنية اليقظة.

في هذه الفترة قررت "نجمة الجماهير" نادية الجندي أن تحضر اسم إسرائيل من الخلفية إلى صدارة دور العرض حين قامت بعمل فيلميها (مهمة في تل أبيب) و(48 ساعة في إسرائيل)، لتظهر مدى ضعف إسرائيل أمام القوة الخارقة لسيدة مصرية تجيد الرقص والجاسوسية وانتزاع الأسرار من أعتى الرجال، لكن الفشل الذريع للفيلم الأخير جاء منجياً للمشاهدين من موجة أفلام شبيهة كالتي قدمتها حين نجحت أفلامها عن المخدرات أو المهن التي يحتكرها الرجال. في الوقت نفسه اختلف موقف عادل إمام نجم الشباك الأول أو "نمبر ون الثمانينات والتسعينات" عن موقف منافسته على صدارة الإيرادات طيلة فترة الثمانينات والنصف الأول من التسعينات، حيث قرر أن يتجاهل قضية الصراع مع إسرائيل طيلة 25 عاماً ظل فيها متربعاً على عرش السينما المصرية، وحتى حين تحول مع بداية التسعينيات إلى تمثيل سلسلة من الأفلام ذات المضمون السياسي الواضح لم يتطرق في أي من هذه الأفلام إلى إسرائيل من قريب أو من بعيد، لكنه قرر أن يغير هذا الموقف بشكل عابر في عام 1997، حين قدم فيلم (زيارة إلى الوالي) مع نادر جلال أحد مخرجيه المفضلين، والذي حكى فيه قصة متخيلة عن عودة مفاجئة للفارس حرفوش برقوق الراكب دار من زمن المماليك إلى العصر الحالي حيث يعرف هذا الفارس أن الوالي الحالي لمصر بطل من أبطال حرب أكتوبر، وعندما يُسأل عن حرب أكتوبر يقولون له: هي الحرب التي انتصرنا فيها على إسرائيل، وحين يسألهم عن إسرائيل يقولون له: هي دولة لليهود تقع على حدودنا فيتعجب الفارس قائلا "وهم اليهود بقى ليهم دولة".

وفيما عدا هذه الإشارة السريعة التي جمعت بين التحقير لشأن إسرائيل وتوجيه تحية سينمائية لبطل الضربة الجوية والمساند لعادل إمام في أزماته المتلاحقة مع الرقابة، لم تتوقف باقي أفلام عادل إمام بشكل خاص عند إسرائيل، برغم أن عادل إمام نفسه كان قد قدم دور بطل الجاسوسية المصري جمعة الشوان في مسلسل (دموع في عيون وقحة)، بالإضافة إلى أنه كان معروفاً بمعارضته الدائمة للتطبيع، إلى أن جاء عام 1996 فأثارت تصريحات له في معرض القاهرة للكتاب حول السلام مع إسرائيل جدلاً حاداً، واتهمه العديد من المثقفين بمغازلة الحكومة وتغيير قناعاته السياسية، بينما أكد هو على تحريف تصريحاته وإساءة فهمها وربما كان هذا السبب الذي دفعه في فيلمه (رسالة إلى الوالي) لإضافة تلك الإشارة المقتضبة الى إسرائيل.

لم يكتف نور الشريف بإعلان مواقفه الداعمة للفلسطينيين والمعارضة لإسرائيل في كل فرصة تسنح له، بل قدم واحداً من أهم وأجرأ الأفلام التي عالجت القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل وهو فيلم (ناجي العلي)

لم يكن هذا التجاهل السينمائي لإسرائيل مقتصراً على عادل إمام وحده، فقد كان يشترك فيه معه أحمد زكي الذي انصرفت أفلامه إلى الهموم الداخلية، وكذلك كان الحال في أغلب أفلام محمود عبد العزيز، مع أن الثلاثة الذين تصدروا ساحة المنافسة السينمائية في فترة الثمانينات وأغلب فترة التسعينات كانت لهم مواقف معلنة معارضة لإسرائيل، وكان أحمد زكي يقول لمن يسأله عن هذه النقطة أنه يختار أفلامه من خلال إحساسه بالشخصية التي يقرؤها ويشعر أنها تثير فضوله الفني وتمثل بالنسبة له تحدياً، ولذلك كان يعلن تمنيه تقديم شخصية البطل إبراهيم الرفاعي والبطل عبد المنعم رياض، وحين أتيحت له الفرصة قام بتقديم شخصيتي عبد الناصر والسادات برغم اختلافهما لأنه كان مشغولاً بالبحث عن تحدي تمثيلي وليس بإعلان موقف سياسي.

حين سألت عادل إمام عن الانتقادات التي وجهت له في هذه النقطة خصوصاً بعد أن التقط بعض النقاد الإشارة المقتضبة الواردة في (رسالة إلى الوالي)، قال لي في حوار أجريته معه في صحيفة (الدستور) وقتها إن بعض النقاد والصحفيين صدقوا بالفعل ما يكتبه زملاؤهم عن كونه المتحكم الأوحد في صناعة أفلامه، ونسوا أنه كممثل يختار من بين ما يعرض عليه من سيناريوهات، وأن كل من يعرف طبيعة عمله يعرف أنه لا يقوم بتكليف كتاب سيناريو بكتابة بعض الموضوعات له خصيصاً، بل يختار ما يراه الأقرب إلى إحساسه في لحظة القراءة، ولذلك كان يلومه البعض حين كان يقدم أفلاماً كوميدية بعيدة عن المضمون الاجتماعي، بعد أن قام بتقديم أفلام جادة ومختلفة، لكنه تعود أن يصدق إحساسه، وبالتالي فإنه لن يتأخر في تقديم فيلم ضد إسرائيل لو أعجبه السيناريو، "ويا سلام لو ألاقي سيناريو كوميدي يمسخر الإسرائيليين هاكون أسعد واحد بيه".

بعكس زملائه الثلاثة الذين احتلوا موقع الصدارة السينمائية الذي كان يشغله قبلهم في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، لم يكتف نور الشريف بإعلان مواقفه الداعمة للفلسطينيين والمعارضة لإسرائيل في كل فرصة تسنح له، بل قدم واحداً من أهم وأجرأ الأفلام التي عالجت القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل وهو فيلم (ناجي العلي) من تأليف بشير الديك وإخراج عاطف الطيب، وقد دفع الثلاثة ثمن مشاركتهم في الفيلم غالياً، حين شنت عليهم صحف مؤسسة أخبار اليوم وصحيفة الجمهورية حملة شرسة ضمت معهم محمود الجندي الذي قدم في الفيلم دور مواطن مصري مخمور على الدوام، وكان يمكن لهذه الحملة أن تتطور إلى ملاحقات قضائية لولا تدخل الدكتور أسامة الباز مستشار رئاسة الجمهورية لدى الرئيس مبارك ليتم لم الموضوع، لكنه كان درساً لا بد أنه كان حاضراً في أذهان كل من فكر في تقديم رؤية مختلفة لإسرائيل والقضية الفلسطينية، أو يحاول أن يتعمق في جذور ما جرى خلال ستين عاماً من الصراع مع إسرائيل، ويسأل عن أسباب تمكن إسرائيل من هزيمة هذه الجيوش العربية التي صرفت عليها المليارات دون جدوى، وهو ما يطرحه سؤال بارع أطلقته شخصية محمود الجندي في الفيلم في لحظة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت: "هي الجيوش العربية مش هتيجي؟"، وهو سؤال لم تعهد السينما طرحه بنفس الجرأة التي كانت مقتصرة فقط على المظاهرات وهتافها الشهير: "واحد اتنين الجيش العربي فين؟".

مع نهاية انفراد عادل إمام وجيله بعرش السينما وبداية عصر من أطلق عليهم تعبير الكوميديانات الجدد، وبالتحديد في عام 1998 وقعت مواجهة سينمائية جديدة وبارزة لإسرائيل، تلك التي قدمها المؤلف مدحت العدل والمخرج سعيد حامد والممثل محمد هنيدي في فيلم (صعيدي في الجامعة الأميركية) أعلى أفلام السينما المصرية إيرادات حتى نهاية الألفية الثانية، حين قدم الفيلم الكوميدي مشهداً يقوم فيه بطله خلف الدهشوري ـ الطالب الصعيدي الذي التحق بالجامعة الأميركية بمنحة تفوق ـ بحرق علم إسرائيل داخل حرم الجامعة الأميركية في تظاهرة طلابية ضد مذبحة قانا، ولم يقدم الفيلم خلف بوصفه ناشطاً أو مناضلاً، بل بوصفه مواطناً عادياً يعترف في تحقيق رسمي أن حرقه للعلم "جه معاه كده"، لكنه يسأل الضابط الذي يحقق معه: "انت لو كنت مكاني ما كانش نفسك تعملها"، وهو سؤال يجمع بين التعبير عن كون كراهية الاحتلال الإسرائيلي شعوراً شاملاً للمواطنين من كافة الطبقات والمهن، وبين مغازلة الأجهزة الرسمية التي تملك حق عرض الأفلام ومنعها والتي يرى صناع الفيلم أنها ليست أقل وطنية منهم، خصوصاً أن الجميع يعلم أن الرقابة على المصنفات الفنية مهما كان انفتاح القائمين عليها ليس في أيديهم حق عرض الأفلام أو منعها بالفعل، خصوصاً إذا كان ما بها يتقاطع مع اختصاصات أجهزة سيادية تحب أن يكون كل شيء دائماً تحت السيطرة.

...

نكمل غدا بإذن الله.