الأسلحة السينمائية الفاسدة (6)

الأسلحة السينمائية الفاسدة في الصراع العربي الإسرائيلي (6)

19 سبتمبر 2021
+ الخط -

في عام 1979 وبفضل خبراته السينمائية المتزايدة وقدرته على تطوير شبكة علاقات تتيح له إيجاد تمويل لمشاريعه السينمائية الطموحة بعيداً عن بلادة العقلية الإنتاجية في مصر والتي تفرض رقابة مسبقة على الأفكار، تمكن المخرج الكبير يوسف شاهين من تقديم رؤية مختلفة ومهمة للصراع العربي الإسرائيلي من خلال فيلمه "إسكندرية ليه" والذي شاركه في كتابته السيناريست البارع محسن زايد وكاتب آخر لم يلق حظه من الشهرة اسمه حسن عبد ربه، لكن يوسف شاهين دفع ثمن اختلافه عن الرؤية السينمائية السائدة حين تلقى حملات هجوم عنيفة نشرتها كثير من الصحف والمجلات العربية التي اتهمته بالعمالة والخيانة ومغازلة إسرائيل، بل وتم اتهامه من بعض المعارضين بمغازلة السادات الذي كان وقتها في أزهى علاقات تعاونه مع إسرائيل، وهي اتهامات صدقها الكثيرون لأن قراء تلك الصحف والمجلات كانوا لفترة طويلة أكثر بكثير من مشاهدي الفيلم الذي لم يكتب له النجاح التجاري، فتعرض الفيلم للظلم بسبب توقيت عرضه، فقد كان أبعد ما يكون عن كل الاتهامات التي تعرض لها بحسن نية أو بسوء نية، وهو ما أثبته الزمن حين شوهد الفيلم بمعزل عن الحملات الإعلامية التي تم شنها عليه، والتي تحدثت مع يوسف شاهين عنها في حوار أجريته معه ونشرته على هذه المدونة بعنوان "حصيلة مشاغبة طويلة مع المخرج الشاب يوسف شاهين".

باختصار مخل لأحداث الفيلم الثرية والمركبة، يحكي الفيلم عن أسرة يهودية مصرية تقع تحت ضغط الخوف من زحف القوات الألمانية على مصر وتهديد هتلر باحتلال الإسكندرية، وخلال رصده للواقع المصري والسكندري في تلك الفترة الحساسة يروي يوسف شاهين كيف اضطر بعض أفراد الأسرة إلى الهجرة إلى إسرائيل هرباً من بطش الألمان، لكن الجد الذي قام بدوره يوسف وهبي لم يحتمل عنصرية العصابات الصهيونية فهاجر الى جنوب أفريقيا بينما عادت ابنته الى مصر لتتزوج من حبيبها المصري الشيوعي بينما انضم الحفيد الى العصابات الصهيونية.

وعلى حد تعبير الناقد أحمد يوسف في حوار أجريته معه، فإنّ رؤية يوسف شاهين هذه كانت أنضج معالجة في تاريخ السينما المصرية لقضية الصراع العربي الإسرائيلي لأنه وضع القضية على الأرضية الصحيحة وحرص على التفريق بين الصهيونية واليهودية، وربما كانت هذه هي المرة الوحيدة التي تظهر فيها الشخصية اليهودية في السينما بعيداً عن الصورة النمطية التي كان اليهودي يظهر بها في العديد من الأفلام الكوميدية مثل أفلام "حسن ومرقص وكوهين" و"فاطمة وماريكا وراشيل" وهي أفلام كانت برغم ما قدمته من صورة نمطية وكاريكاتيرية، تتحدث في نهاية المطاف عن اليهودي بوصفه جزءاً من النسيج الوطني المصري، لكن كوهين وراشيل اختفيا من الصورة تماماً بعد سيادة الخطاب الشعبوي الذي لم يعد يرى كوهين وراشيل أهلاً للثقة في ظل "العهد الجديد".

الغريب أنه بعد سنوات طويلة وتحديداً في عام 1991 وعقب إنجاز يوسف شاهين لفيلمه "المهاجر" الذي قدم فيه معالجة "شاهينية" لقصة سيدنا يوسف، عادت اتهامات مغازلة إسرائيل للظهور، حين تعرض شاهين لهجوم من الكاتب الدكتور جلال أمين الذي اتهم شاهين بمغازلة إسرائيل لأنه جعل إنقاذ مصر من المجاعة يأتي على يد شاب خبير في الزراعة يأتي من دولة مجاورة واسم هذا الشاب رام الذي اعتبره جلال أمين اسماً عبرياً وهو ما رآه غزلاً صريحاً لإسرائيل، وكان لدى شاهين وقتها ما يكفيه من مشاكل مع الجماعات الدينية ولم يكن يتوقع هذا الهجوم الذي أثار ضيقه واعتبره تخريفاً وتعسفاً في الهجوم عليه لا يستحق أن يؤخذ مأخذ الجد للرد عليه.

نعود إلى فيلم "إسكندرية ليه"، الذي لم تظهر إسرائيل في السينما المصرية بعده إلا بدرجات تتراوح بين التلميح والترميز والتصريح شبه الجريء تقدمها أفلام تحكي عن تيمة درامية جديدة ستصبح شائعة وممجوجة بعد ذلك وهي تيمة الحديث عن جيل أكتوبر والنصر المسروق من أصحاب النفوذ، كانت البداية في عام 1983 مع عاطف الطيب وبشير الديك في فيلمهما المهم "سواق الأتوبيس" ثم في عام 1984 مع  عبد الحي أديب وأحمد السبعاوي في فيلم "بيت القاضي" الذي حكى كيف سرق "الهبّيشة" الجنة التي حلم بها أبطال أكتوبر، وعندما حاول هشام أبو النصر في فيلمه "العصابة" من إنتاج عام 1986 أن يكون أكثر جرأة في هجومه على إسرائيل، حيث روى قصة مقاتل من مقاتلي حرب أكتوبر يحب فتاة يتيمة تسعى عصابة تضم بين أفرادها طبيباً إسرائيلياً لتوريط هذه الفتاة في عملياتها، تعرض للصدام مع الرقابة التي رأت في خطابه المباشر جرأة لا يحتملها السلام البارد بين مصر وإسرائيل، ومنعته من العرض في شاشات السينما، ليتاح في سوق الفيديو الأكثر محدودية وقتها، لكن الفيلم لم يحظ بإعجاب حتى المعارضين لإسرائيل الذين اعتبروه شديد المباشرة إلى حد يقلل من أهميته الفنية.

في عام 1987 لجأ الكاتب والمخرج محمد شبل إلى رموز معقدة للإشارة إلى إسرائيل في فيلم "التعويذة" الذي أخذ قالب أفلام الرعب حيث نرى سيدة تقوم بدورها يسرا وهي تتعرض لهجوم شرس بالسحر الاسود من قبل شخصين قبيحي المنظر يحاولان الاستيلاء على بيت زوجها ويقومان بتسليط العفاريت عليها لكنها تتمكن من قهرهما بقراءة آية الكرسي ليتضح أنهما يهوديان في نهاية الفيلم في رمز إلى محاولات إسرائيل للاستيلاء على الأرض المصرية، ومع أنك لن تجد تلك الطريقة الغريبة في الترميز في أفلام تالية، إلا أنك ستجد حضوراً واضحاً لإسرائيل في الخلفية الدرامية لعدة أفلام في تلك الفترة، على رأسها فيلم "زمن حاتم زهران" لعبد الرحمن محسن ومحمد النجار الذي يحكي الحال السيئة التي أصبح عليها مقاتلو أكتوبر في عصر الانفتاح والسلام، وهو ما تكرر بتفاصيل أخرى في فيلم "أرملة رجل حي" من إخراج بركات وفيلم "كتيبة الإعدام" لأسامة أنور عكاشة وعاطف الطيب الذي قدم محاولة لتقديم قصة تنظيم ثورة مصر في قالب مختلف، وفيلم "المواطن مصري" المأخوذ عن رواية ليوسف القعيد ومن إخراج صلاح أبو سيف، وفيلم "الإمبراطور" لفايز غالي وطارق العريان الذي جاء فيه إشارة صريحة إلى دور اسرائيل في تهريب المخدرات إلى داخل مصر، وهو الأمر الذي تكرر في العديد من الأفلام التي عرفت بموجة أفلام المخدرات والتي اعتمدت على تقارير صحافية حول دور إسرائيل في تهريب المخدرات إلى مصر.

في عام 1992 وبعد عدة تقارير صحفية حول بدء انتشار الإيدز في مصر، والحديث عن وجود دور لفتيات إسرائيليات في ذلك، تم إنتاج فيلم "الحب في طابا" للمخرج أحمد فؤاد، والذي حكى قصة ثلاث شبان مصريين أصيبوا بالإيدز بعد علاقات جنسية لهم مع ثلاث فتيات خواجايات تترك كل منهن في نهاية الفيلم رسالة للشاب الذي ارتبطت بعلاقة معه تقول له فيها إنها إسرائيلية وأنه أصيب بالإيدز، ولاقى الفيلم نجاحاً جماهيرياً بسبب تقديمه خلطة شيقة من الكوميديا والجنس قدمها هشام عبد الحميد ونجاح الموجي وممدوح عبد العليم وجالا فهمي الذين أتاح لهم الفيلم فرصة بطولة لم تتكرر في ظل سيطرة الأجيال الأسبق على سوق السينما، لكن تجربة تحويل تلك الخلطة إلى خلطة وطنية تدين إسرائيل ورغبتها في إفساد الشباب، لم يتكرر نجاحها حين قدمت بعد ذلك في بعض الأعمال التلفزيونية، لكنها ساعدت على إبقاء مرض الإيدز مرتبطاً بإسرائيل ودورها في إفساد شباب مصر الطاهر الذين سبق لها أن أفسدتهم في الثمانينات بالمخدرات المستحدثة مثل الهيروين والكوكايين والماكستون فورت وغيرها من المخدرات الغريبة على تراث حشيشنا الشعبي الأصيل.

....

نكمل غداً بإذن الله