الأسلحة السينمائية الفاسدة (5)

الأسلحة السينمائية الفاسدة (5)

16 سبتمبر 2021
+ الخط -

بعد هزيمة الخامس من يونيو 1967 وحين اضطر عبد الناصر لتخفيف قبضة الدولة على السينما والصحافة بعض الشيء، تمكن بعض صناع السينما المصرية من تقديم أفلام جريئة نسبياً في معالجتها لقضايا الاستبداد مثل (الزوجة الثانية) و(شيء من الخوف) و(ميرامار)، ومع ذلك لم ينشغل صناع السينما الكبار بالحديث عن إسرائيل والصراع معها، ليبدو من خلال متابعة المشهد السينمائي في تلك الفترة التي أعقبت الهزيمة وحتى رحيل عبد الناصر كأن الهزيمة وقعت في بلد أخرى غير مصر، باستثناء فيلم وحيد أخرجه حسام الدين مصطفى وعُرض بعد الهزيمة بثلاثة أشهر، هو فيلم (جريمة في الحي الهادئ) الذي لم يتحدث عن إسرائيل بشكل معاصر، بل عاد بالزمن أكثر من عشرين عاماً، ليتحدث عن علاقة الصهيونية الوثيقة بالإرهاب من خلال قصة كتبها اللواء عبد المنصف محمود مستلهماً حادثة وقعت عام 1944 في حي الزمالك بالقاهرة، حين قام إرهابيان ينتميان إلى منظمة شتيرن الصهيونية باغتيال اللورد موين وزير المستعمرات البريطاني وسائقه.

لعب رشدي أباظة في الفيلم دور ضابط شرطة يحاول القبض على العصابة التي خططت للحادثة، ولعبت نادية لطفي من جديد دوراً مشابهاً لدورها في فيلم (صراع الجبابرة) حيث لعبت دور فتاة صهيونية تقع في غرام الضابط المصري المتنكر وسط العصابة، والمفارقة أن نادية لطفي التي حصرتها ملامحها الشقراء في دور الفتاة الإسرائيلية، كانت النجمة المصرية صاحبة المواقف الأبرز في دعم القضية الفلسطينية، لدرجة أنها تحدت المخاطر وسافرت مع بعض أصدقائها المثقفين للتضامن مع الفلسطينيين خلال حصار القوات الإسرائيلية لبيروت عام 1982، فأشاد ياسر عرفات بدورها في رفع معنويات المقاتلين الفلسطينيين في وقت لم تكن فيه العلاقات المصرية الفلسطينية في أحسن حالاتها بسبب تداعيات اتفاقية كامب ديفيد.

بعد سنوات من هزيمة يونيو، وفي الوقت الذي تواصلت فيه بطولات المقاتلين المصريين في حرب الاستنزاف التي استمرت لسنوات وجرت فيها بطولات ردت الاعتبار للمقاتل المصري الذي خذلته قيادته في هزيمة يونيو، استمر التجاهل السينمائي للهزيمة وللصراع مع إسرائيل، لكن هذه الأجواء شجعت جيلا جديدا من السينمائيين تجمع في جماعة صغيرة مثل جماعة السينما الجديدة على تقديم تجارب مهمة في التعبير عن المقاومة والصراع مع إسرائيل، كان أجملها فيلم (أغنية على الممر) من إنتاج عام 1972 للمخرج علي عبد الخالق والمأخوذ عن مسرحية للكاتب علي سالم الذي صار في التسعينيات وللمفارقة أبرز صديق للإسرائيليين في مصر، ليحكي الفيلم بشكل عذب وعميق قصة عدد من الجنود المصريين الذين يصارعون اليأس والموت خلال حصار العدو لهم.

قدمت جماعة السينما الجديدة بعدها بعام فيلم (ظلال على الجانب الآخر) للمخرج الفلسطيني غالب شعث الذي قدم صورة للحياة في مصر بعد الهزيمة من خلال عدد من الشباب من بينهم شاب فلسطيني يتمنى تحرير وطنه، وفي حين حصل الفيلم الأول على تشجيع من الدولة تحدث عنه المخرج علي عبد الخالق في حوار مطول نشرته هذه المدونة، لم يحصل الفيلم الثاني على نفس التشجيع مما دفع غالب شعث إلى الرحيل من مصر، وهو ما يحكي عنه بشكل تفصيلي في مذكراته التي سأعرض بعض تفاصيلها قريباً بإذن الله، لكن المؤكد أن تلك التجربتين شجعتا يوسف شاهين على تقديم فيلمه المهم (العصفور) عن سيناريو اشترك في كتابته لطفي الخولي والذي صار أيضاً للمفارقة رمزاً من رموز التطبيع في مصر في التسعينات، لكن الأفلام الثلاثة برغم أهميتها وجودتها الفنية كانت تتحدث عن صورة الواقع في الداخل المصري، أكثر من تحدثها عن العدو المحتل الذي نقاومه أو يجب أن نقاومه، مع أن الرقابة لم يكن يمكن أن تعترض على هذا، ربما لأن صناعها كانوا يرغبون في الإشارة إلى أن انتصار ذلك العدو كان مرتبطاً بالواقع المصري الداخلي الذي عاش الهزيمة قبل إعلانها رسمياً..

ربما نستطيع أن نستثني من هذه الأفلام "البليدة" فيلم (أبناء الصمت) للمخرج محمد راضي والذي ربما كان من أسباب تميزه أنه قام بتقديم الحرب بعيون كاتب أقرب إلى الجيل الذي خاضها ودفع ثمنها وهو الروائي الشاب وقتها مجيد طوبيا

بالطبع اختلف الوضع حين وقع نصر أكتوبر في عام 1973، حيث تم تصوير سلسلة أفلام تمجد النصر وتحتفي به، وتدخلت الرقابة العسكرية لفرملة رغبة عدد من المنتجين في إضافة مشاهد وعبارات عن النصر لإقحامها في الأفلام التي تم تصويرها بالفعل، ومع أن الجيش المصري من خلال إدارة الشئون المعنوية قام بتقديم مساعدات لازمة للمنتجين السينمائيين لاستخدام بعض المشاهد التي تم تصويرها خلال الحرب، أو تم تصوير بعضها بكاميرات الجيش بعد العبور، إلا أن أغلب الأفلام التي ظهرت عن حرب أكتوبر في العامين التاليين لها مثل (بدور) و(الوفاء العظيم) و(حتى آخر العمر) و(العمر لحظة) كانت إلى حد كبير تستحق التعبير الذي أطلقه عنها الناقد علي أبو شادي "أفلام بليدة لحرب مجيدة"، بل إن أحدها وهو فيلم (الرصاصة لا تزال في جيبي) الذي أخرجه حسام الدين مصطفى كان جزءاً من سلسلة الأفلام التي بدأت تصفية الحسابات مع العهد الناصري والتطبيل الناعم للعهد الجديد الذي يقوده الرئيس الذي قرر أن يمشي على خط عبد الناصر "بأستيكة" طبقاً للنكتة الشهيرة، وقد تحولت هذه الأفلام في السنوات التالية إلى أفلام مقررة يتجرعها المواطنون كل عام خلال إجازة السادس من أكتوبر، لتمتلئ الصحف بعدها بتحقيقات صحفية مكررة عن أسباب غياب أفلام متميزة عن حرب أكتوبر، يدلي فيها المؤلفون والمخرجون والممثلون بتصريحات عن استعداداتهم لبدء تصوير افلام جديدة تركز على كشف جوانب جديدة عن حرب أكتوبر والتركيز على البطولات التي لم يكشف عنها من قبل، وتمضي الأعوام دون أن يتم إنجاز أي من هذه المشاريع التي تحولت الى مشاريع صحفية لا سينمائية.

ربما نستطيع أن نستثني من هذه الأفلام "البليدة" فيلم (أبناء الصمت) للمخرج محمد راضي والذي ربما كان من أسباب تميزه أنه قام بتقديم الحرب بعيون كاتب أقرب إلى الجيل الذي خاضها ودفع ثمنها وهو الروائي الشاب وقتها مجيد طوبيا، وهو ما تستطيع أن تلمسه أيضاً في فيلم (حكايات الغريب) الذي قدمته المخرجة إنعام محمد علي في التسعينات واعتمد على سيناريو بديع كتبه محمد حلمي هلال عن قصة قصيرة للروائي جمال الغيطاني الذي كان أكثر الكتاب المصريين دراية بالحرب وأجوائها وأبطالها بحكم عمله كمراسل عسكري لفترة طويلة، وأظن أنك ستلاحظ في الفيلمين نبضاً مختلفاً عما ستجده في باقي الأفلام التي يمكن أن تدور أحداثها في حروب سابقة لو قمت بحذف مشاهد النصر الموحدة والمتشابهة منها. ـ بالمناسبة أحيلك هنا إلى تدوينة سابقة نشرتها في هذه المدونة بعنوان (ضربة مباركية لحائط البطولات) حاولت فيها الإجابة عن سؤال لماذا لم تقدم السينما المصرية أفلاماً على مستوى لائق عن حرب أكتوبر من خلال شهادة مهمة قدمها الكاتب مصطفى محرم عن تجربته في صنع فيلم (حائط البطولات) ـ.

بعد اختفاء دام سنوات لإسرائيل من على شاشة السينما، ربما بسبب الواقع الجديد الذي تحولت فيه إسرائيل من عدو إلى شريك في المفاوضات واتفاقيات السلام، قام المخرج كمال الشيخ في عام 1978 بتقديم فيلم الجاسوسية الممتع (الصعود إلى الهاوية) عن رواية للكاتب صالح مرسي، وأظهر الفيلم تفوق المخابرات المصرية على المخابرات الإسرائيلية وقيامها بالإيقاع بجاسوسة قامت إسرائيل بتجنيدها خلال حرب الاستنزاف، واعتمد الفيلم على واقعة حقيقية كانت بطلتها الجاسوسة هبة سليم التي تم إعدامها في مصر والتي ظهرت في الفيلم باسم عبلة كامل، وأصبحت عبارة "هي دي مصر يا عبلة" أشهر عبارة مرتبطة بالفيلم الذي كان سبباً في اتساع نشاط الكاتب صالح مرسي وقيامه بعمل عدة روايات ومسلسلات تلفزيونية تكتسب شهرتها من عبارة "مأخوذة من ملفات المخابرات العامة"، لتكتسب تلك الأعمال جماهيرية كبيرة بعد أن أجاد في صنعها مبدعون مثل عادل إمام ومحمود عبد العزيز ومحمد فاضل ويحيى العلمي وغيرهم، واستطاع صالح مرسي إلى حد ما أن يقدم فيه أعماله الإسرائيليين بصورة أكثر جدية ومختلفة عن الصور الكاريكاتيرية التي كانت تقدم من قبل، لتكون سلسلة أعماله التي بدأت بفيلم (الصعود إلى الهاوية) تأكيداً على مفارقة سعت الدولة المصرية من خلالها خصوصاً في عهد مبارك للتأكيد على أن العلاقات الدافئة مع إسرائيل يجب أن تقتصر على الملفات الأمنية والاقتصادية فقط، ولا تتجاوز ذلك إلى التطبيع مع إسرائيل أو تخفيف نبرة العداء لها، خصوصاً إذا اقترن ذلك بأعمال تمجد "الأجهزة السيادية" وعيونها الساهرة على أمن الوطن وسلامة أراضيه، بغض النظر عن إمكانية التحقق من هذه البطولات والتأكد من مصداقيتها.

والمؤكد أن نجاح أعمال صالح مرسي كان سبباً في تشجيع المنتجين السينمائيين على تقديم أفلام جاسوسية اختلط فيها الغث مثل فيلم (فخ الجواسيس) للمخرج أشرف فهمي وفيلم (بئر الخيانة) للمخرج علي عبد الخالق، بالسمين مثل فيلم (إعدام ميت) للمخرج علي عبد الخالق، لكن نجاح هذه الأفلام لم يكن بنفس حجم وتأثير ما قدمه صالح مرسي في مسلسليه التلفزيونيين الناجحين (دموع في عيون وقحة) و(رأفت الهجان)، وهو نجاح لم تصادفه أعمال تلفزيونية أخرى لعبت في نفس المنطقة مثل (الحفار) و(الثعلب) و(الطريق إلى بئر سبع)، وربما كان ما يجمع بين هذه الأعمال على تفاوت مستوياتها وفرصها في النجاح، أنها تسعى لتقديم صراع درامي على أرضية الصراع مع إسرائيل دون أن تكلف نفسها عناء الحديث عن هذا الصراع بصورة متعمقة أو محاولة الإجابة على تساؤلات عن أسباب بدايته واندلاعه واستمراره، لأن طرح هذه الأسئلة بجدية لن يكون على هوى الأجهزة التي تسمح بالإنتاج وتموله وتباركه.

...

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.