الأحزاب المغربية خارج التغطية

25 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 18:30 (توقيت القدس)
+ الخط -

الشارع المغربي يغلي بتظاهرات جيل زد الذي ينظّمها ويرفع المطالب بوجه الحكومة، والأحداث حول العالم تتسارع على وقع تغيّرات كبرى، فيما أحزابنا المغربية، وأحزاب المعارضة بشكل خاص، مشغولة بأمورها الصغيرة التافهة؛ تدبير شؤونها الداخلية، إعادة تدوير نخبها المُفلسة، تزكية أمنائها العامين المُعمّرين المزمنين كالأمراض وإعادة الثقة بهم. 

أحزابنا السياسية غارقة في إعادة نفسها وأعطابها المتوارثة، غافلة عن الأدوار المنوطة بها دستوريًا باعتبارها مؤسسات تعمل على تأطير المواطنين، تساهم في مراقبة عمل الحكومة، قوة اقتراحية تدفع إلى تجويد العمل البرلماني والحكومي، والأهم، أن تجعل الحكومة تعمل تحت الضغط لتطوير عرضها الحكومي في ما يخصّ الميزانيات والقوانين، حتى تصير في مستوى تطلّعات المواطنين المُكتوين بغلاء المعيشة وتدنّي الخدمات الاجتماعية المُقدّمة لهم.

في ظلّ هذا الشرود، بادرت الدولة، بما أنها أصبحت في مواجهة مباشرة مع شباب جيل زد الثائر وعموم المواطنين المُحبطين، إلى إلقاء حجر ثقيل في بركة أحزابنا المُتهالكة، من خلال المصادقة في آخر مجلس وزاري ترأسّه الملك محمد السادس على مشروعين قانونيين تنظيميين يتعلّقان بمجلس النواب والأحزاب السياسية، يرومان "تحصين الاستحقاقات التشريعية المُقبلة من الممارسات التي تضرب بمصداقيتها"، "تحسين الحكامة داخل الأحزاب السياسية المغربية وشفافية ماليتها"، "وتحفيز الشباب الذين لا تفوق أعمارهم 35 سنة على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة"، حسب البلاغ الصادر عن الديوان الملكي، عقب آخر اجتماع للمجلس الوزاري.

أحزابنا السياسية غارقة في إعادة نفسها وأعطابها المتوارثة، غافلة عن الأدوار المنوطة بها دستوريًا

إن هذه الخطوة التي باشرتها الدولة مفهومة بالنظر إلى السياق السياسي الجديد الذي أفرزته تظاهرات جيل زد، الذي أوضح أنّ الرهان على الأحزاب السياسية المغربية، سواء تلك التي تدبّر الشأن العام أو التي تقف في صف المعارضة، أصبح محفوفًا بالمخاطر، بما أنها لم تستطع أن تستوعب التعبيرات الشبابية المُستجدة، ولم تتمكّن من إفراز نُخب سياسية جديدة تتكلّم اللغة نفسها التي يفهمها الجيل الصاعد، تحظى بثقتهم، وتقنعهم بالانخراط في الحياة السياسية المغربية في أفق تولي المسؤولية داخل المؤسّسات المُنتخبة، وأساسًا هجرة الساحات والميادين، لأنها تضرّ بصورة البلد وسمعته على المستويين الوطني والدولي.

فهل تلتقط أحزابنا السياسية هذه الإشارة، أم أنها ستبقى "في دار غفلون" إلى أجل غير مسمّى، لتصبح عالة على الدولة التي تمنحها ترياق الحياة من خلال الريع الانتخابي الذي يُقدّم لها بسخاء؟ وهل ستصبر الدولة على هذه الأحزاب حتى تنجز ما هو مطلوب منها، أم أنها ستتخذ إجراءات أكثر صرامة لإجبارها على اتخاذ القرارات اللازمة لتجديد الدماء داخلها؟ أم أنّ الجميع، دولة وأحزاباً، سيراهن على الزمن من أجل امتصاص غضب الشارع، ثم تعود حليمة لعادتها القديمة؟ 

هذه أسئلة من بين أخرى ستجيب عليها الأشهر والسنوات القادمة.