اقتصاد وذاكرة حيّة: عودة سوق الإنتاج في حلب

26 نوفمبر 2025
+ الخط -

حين يقترب المرء من حلب شمالي سورية، يكتشف مدينة تتقن العمل منذ آلاف السنين. فموقعها على طرق التجارة القديمة لم يكن صدفة، بل هو قدرٌ دفعها إلى الزراعة ثم إلى الحِرف الأولى ثم إلى الصناعة الحديثة. حلب مدينة تتجدّد دائماً، وتُراكم خبرتها جيلاً بعد جيل، من أسواقها المُتشابكة إلى مصانعها التي نافست مراكز صناعية كبرى. تراثها في النسيج وحده يمتدّ لقرون، انتقل من النول اليدوي إلى الكهرباء والهندسة والكيمياء والدواء، من دون أن تفقد رائحة الأسواق أو تقاليد أهلها.

لهذا الإرث بالتحديد وقع الاختيار على حلب عام 1959 خلال سنوات الجمهورية العربية المتحدة لتكون مقرّ سوق الإنتاج الصناعي والزراعي. كانت الأرض في حينها مجرّد مساحات زراعية، لكن خلال أربعة أشهر وسبعة عشر يوماً فقط ارتفع سوق كامل بتجهيزاته وخدماته. بدا، يوم افتتاحه، معجزة عمرانية صغيرة. توقّف نشاطه فترة الانفصال، ثم عاد عام 1964 ليصبح مركزاً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً تتابعه الصحف يومياً.

وظيفة السوق لم تكن اقتصادية فقط. كان منصّة يرى فيها السوريون صورة إنتاجهم ويستعيدون ثقتهم بصناعاتهم، وفي الوقت نفسه يجذب الزوار والتجّار من داخل البلاد وخارجها. كثير من الصفقات الصناعية والزراعية وُقّعت بين أجنحته. وكان أيضاً حاضناً للصناعات اليدوية؛ الحرف تُعرض حيّة أمام الزوار، الزجاج يُنفخ، المعادن تُطرق، الأخشاب تُنحت. تلك الحرف التي صنعت سمعة سورية وجزءاً من هُويّتها.

السوق لم يكن مجرّد معرض، بل قطعة حيّة من ذاكرة حلب

ومع الزمن تحوّل السوق إلى مساحة اجتماعية واسعة. في الصيف كان متنفّساً لعائلات المدينة: حدائق، مطاعم، فعاليات، إذاعة داخلية، تسوّق، وأمان. كان الناس يقضون ساعات في المكان، يشاهدون الجديد من المُنتجات ويستمتعون بجو يشبه روح المدينة. وعلى مسرحه وقفت أسماء عربية كبيرة، من بينها حفلات الراحل صباح فخري التي صارت تُقاس بها نجاحات باقي الحفلات. ومع توسّع الصناعات أُزيل المسرح لاحقاً، لكن ذكرياته بقيت جزءاً من الوجدان الحلبي.

بين 1958 و2010 بقي السوق يتطوّر كما تتطوّر حلب نفسها. ومع صعود قطاع المعارض في أواخر التسعينيات، طُرح نقل السوق إلى موقع أوسع خارج المدينة. كان الطرح اقتصادياً بحتاً، لكنه ترك ألماً واضحاً لأنّ السوق لم يكن مجرّد معرض، بل قطعة حيّة من ذاكرة حلب. رأى كثيرون أنه كان يمكن تطويره من دون اقتلاعه من مكانه الأوّل.

وبعد خمسة عشر عاماً من الغياب، عاد اليوم في عام 2025 ضمن فعاليات "حلب ستّ الكل"، في موقعه الأصلي ووظيفته الأصلية. فالحلبيون يرون فيه أكثر من موعد سنوي؛ مساحة خضراء وسط المدينة، متنفّساً اجتماعياً، ملتقى تتقاطع فيه الصناعة والزراعة والفن. إنه مكانٌ يجسّد صورة المدينة كما كانت وكما تريد أن تكون.

يمكن للسوق، من خلال إدارة واضحة وتنظيم فعاليات مُتخصّصة، أن يستعيد دوره محطّةً تربط المنتج المحلي بالمستهلك

الأهمية اليوم مضاعفة. فالسوق، بعد سنوات السُّبات، يحمل دوراً جديداً في إحياء الصناعات التقليدية التي قاومت الزمن، وفي حماية الحرف اليدوية التي واجهت خطر الاندثار أخيراً، وفي الوقت نفسه دعم الصناعات الحديثة ودفعها إلى الواجهة. عودته تفتح الباب أمام رؤية اقتصادية تُعيد وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر، وتمنح المدينة مركزاً نابضاً يجمع الخبرة والذاكرة والتجديد.

يمكن للسوق، من خلال إدارة واضحة وتنظيم فعاليات مُتخصّصة، أن يستعيد دوره محطّةً تربط المنتج المحلي بالمستهلك، وتعرض أبرز تطوّرات الصناعة والزراعة في المدينة. كما يمكن لفعالياته الثقافية والفنية أن تُعيد إليه روحه القديمة وتقدّم صورة جديدة لحلب على المستوى الإقليمي، مدينة تجمع بين التاريخ والابتكار.

بهذه العودة، يصبح سوق الإنتاج مساحة تُستثمر على مدار العام، ومنصّة تعكس إرث حلب الطويل في الصناعة والتجارة، وتمنح أهلها مكاناً يرون فيه أنفسهم بصورة أقرب لحقيقتهم. موقعٌ يشهد على قدرة المدينة الدائمة على النهوض، ويعيد تثبيت مكانتها مركزاً إنتاجياً وثقافياً واقتصادياً في سورية والمنطقة.