اشتريت حذاءً جديداً
ذهبت إلى السوق لأشتري حذاءً جديدًا بمال جاءني مُقابل ما أكتبه عن حزني.
لا يزال قلبي مُنهكاً، مثل "موتور" صدئ، فأنا لا أصدّق جميع الذين يتحدّثون عن نهاية الإبادة ما لم يعد القتلى من المقابر.
المقبرة ها هي أمامي، في طريقي إلى السوق، مليئة بالقبور والحجارة والخيام.
على هذا الجانب دُفن صديقي حسن. عندما نزح لم يحمل معه شيئاً، راح مع أمّه ليحضر حذاءه من البيت، فقتلتهم الطائرة. وجدوا في حقيبته حذاءً أبيض، وكتباً مدرسية، فيما أنا سأشتري حذاء جديداً؟ كم أنا سيئ.
على هذا الجانب دُفن نظمي، ابن عائلتي، عشت معه مجاعات، وحصاراً شديداً، ظلّ عشرة أيّام في العناية المركّزة إثر شظية في رأسه، وطيلة الأيّام العشرة كانت تنام قطة تحت سريره.
كان يسمع الناس وليس بوسعه أن يتحرّك أو يتكلّم، أو يرى، وقالوا إنّ دمعةً نزلت على خدّه وهو يحتضر.
من يُخبر نظمي أنّ الإبادة انتهت بعد أسبوعين من موته، أنّ بيته على حاله، وأنّ أطفاله الثلاثة، صارت لهم توًّا أختاً رابعة؟
نحن لم نودّعهم. لم يكن هناك أجساد لتُودّع أساسًا
على هذا الجانب، دُفن أحمد، خالد، وأبيهما. راحوا ليُحضروا أشياءهم من البيت، وقُتلوا هناك جميعاً. صاروخ كبير دمّر بيتهم، وقتلهم. هم الآن في قبرين، خالد وأبيه في قبر، وأحمد في آخر، ومن يدري ربما شلو من جسد خالد ينام الآن على صدر أحمد. نحن لم نودّعهم. لم تكن هناك أجساد لتُودّع.
على هذا الجانب، قبر كبير، يشبه سقف غرفة كبيرة. على الشاهدة مكتوب
أنّه لعائلة كاملة، أنا لا أعرفها، ولا أعرف كيف ماتت. لكنني متأكّد أنّها عائلة لم تكن تحبّ الموت على هذه الشاكلة، وفي هذا التوقيت.
أعمار الشهداء مكتوبة، وهناك أطفال كُثر، أراهنكم أنّ لحظة نزول الصاروخ لم تكن تشبه الموت إطلاقاً، ربّما كان الأب يتحدّث عمّا سيفعله بعد الحرب، والأم كانت تأمل بطلاء جديد للغرف، أولادهم كانوا يقرأون القصص، ويفتشون في كتبهم المدرسية عن صور ملوّنة وكلمات جديدة يتعلمونها، وقُتلوا لأنهم لم يفعلوا شيئاً مؤذياً، ولأنّ القاتل أراد أن يزيد فاتورة الدم، ويُشبع قلبه البغيض.
قُتلوا لأنهم لم يفعلوا شيئاً مؤذياً، ولأنّ القاتل أراد أن يزيد فاتورة الدم، ويُشبع قلبه البغيض
المقبرة مليئة بالأمهات، وأنا لا أعرف من أين يحضرن الورد إلى قبور أبنائهن. ما أعرفه أنّ الورد ليس موجوداً في المدن المنكوبة مثيلات مدينتنا.
الأمهات يجلسن طويلاً عند رؤوس أبنائهن، يُخيّل إليهن أنهم ينامون في حجرهن، يُمشطن شعورهم، يحكين لهم قصّة قبل النوم.
شفاه الأمهات لا تتوقف عند قبور أبنائهن، يسألنهم عن حالهم، يُحضرن لهم أغطية ثقيلة في الشتاء، ويسألنهم إن كانوا يأكلون جيّداً: أنت لا تحبّ الطعام إلا من يدي "يمّا"، لا تحب المجدرة سوى التي أعدها. كيف تقضي كلّ هذا الغياب؟ هل أنت جائع؟ هل أنتَ راضٍ عن غيابك الثقيل؟ هلّا توقفت عن زيارة أحلامي، وخرجت إليّ، واضحاً مثل هذه الغيمة، ملموساً مثل هذه الشجرة، مبتسماً مثل أحلامك التي حكيت لي عنها، سأخطب لك الفتاة التي تحبّها، هي لن تكون لأحد سواك، وستنجب منها، من يحمل اسمك، لا يليق اسمك بشاهدة القبر، ولا تليق ضحكتك أن تُدفن بهذه القسوة كما تُدفن الورود. عد يا ولدي، انتهت الحرب كما كنت تنتظر. والحياة التي تجرؤ على دفنك، قاسية، وظالمة، وليس بمقدورها أن تحتمل الحديقة التي في صدرك.
أخذتُ ما جمعته من مال، مقابل ما أكتبه عن حزني، ورحت إلى السوق
لأشتري حذاءً جديداً، أمشي فيه نحو الحياة والفرح.
كم أنا سيئ.