استعداداً للمباراة الحاسمة (قادسية الأستاذ)

استعداداً للمباراة الحاسمة (قادسية الأستاذ)

31 اغسطس 2021
+ الخط -

(الجزء الرابع من أسطورة الأستاذ)

كان الفريق "سين" لكرة القدم "داعساً، وطاحشاً" باتجاه تحقيق بطولة دوري الدرجة الثانية لكرة القدم في سورية، بفضل الدعم الهائل الذي تلقاه من المتنفذ الأسدي الملقب بـ"الأستاذ".. ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، أو كما قال الرجل الأرميني الظريف، (الهوا ما بتهبّ مطرح ما بَدَّا شَخْتُور).

رويت لحضراتكم، في التدوينة السابقة، أن حَكَمَ الساحة في المباراة قبل الأخيرة في الدوري، فاجأ الفريقَ سين بتحكيم نزيه، فكشفه على حقيقته، وتبين أنه (وراعيه الأستاذ) يصلح للتشبيح والبلطجة، أكثر مما يصلح للعب النظيف المحترم.

بعد تلك الهزيمة المنكرة، أصبحت الحسابات التي تُوصل الفريق "سين" إلى بطولة دوري الدرجة الثانية معقدة للغاية. باختصار، كان واجباً عليه أن يربح المباراة الأخيرة على الفريق (صاد) حتماً، وإذا لم يربحها سيراوح مكانه في الدرجة الثانية سنة أخرى، ووقتها سيكون موقف الأستاذ ضعيفاً، مهزوزاً، وسيستهزئ به حتى الشبيحةُ الصغار المتمرنون.

وضع الأستاذ كل ثقله في هذه المباراة، وأطلق عليها لقباً غريباً هو: قادسية الأستاذ. وكان الفريق (صاد) من أقوى فرق دوري الدرجة الثانية، وقد أطلق عليه المعلقُ الرياضي الذي يتحدث من منخاره، ذات مرة، اسم "برشلونه الشرق"، لأن عنده ثلاثةَ خطوط متناغمة، وحارسَ مرمى ممتازاً.. وقد أحرز اللاعب الذي يلعب فيه بصفة رأس حربة لقب "هداف الدوري" منذ زمن بعيد، لأنه سجل في واحدة من مبارياته الأولى خمسة أهداف.

لم يرد عليه الحكام لأنهم لم يفهموا قصده. وهو أوضح له قائلاً: يعني عمي حافيظ يقول الصدق وينطق بالحق. كل إنسان يراقبُه ضميرُه

المهم. حصل الأستاذ على أسماء الحكام الأربعة الذين سيقودون المباراة، وقد جيء بهم إلى الشاليه، من قبل مرافقي الأستاذ، بطريقة ليست مختلفة كثيراً عن الاعتقالات التعسفية التي كانت تمارسها مخابراتُ عمه حافظ على المعارضين الذين يسعون إلى جزأرة سورية وتسليمها لقمة سائغة للصهيونية العالمية (على حد تعبير العم عبد الحليم خدام الذي كان شرَّابة خُرج ملقى على ظهر حمارة حافظ الأسد، وبعدها تحول إلى معارض أشوس).

يقال إن أحد الحكام الأربعة الذين اجتمعوا مع الأستاذ في الشاليه ليلتئذ، تمكن من مغادرة البلاد في سنة 2012، وبعدما استقر في هولندا، وحصل على حقوق اللاجئ الإنسانية كاملة غير منقوصة، شعر بالأمان، وامتلك ما يكفي من الجرأة، فروى لأحد أصدقائه ما جرى في الشاليه وفي المباراة الأخيرة للفريق سين، وقد أعجب صديقه بالقصة، فسربها، وصارت تنتقل من شخص لآخر حتى وصلت إلينا.

قال الحكم إنه وزملاءه الثلاثة الآخرين، كانوا جالسين في السيارة التي أقلتهم إلى الشاليه مخطوفي الوجه، شاردين، يفكرون في ما يمكن أن يخبئه لهم الأستاذ من إذلال وإهانات، ولا سيما أنهم سمعوا بالمصير التراجيدي الذي تعرض له زميلهم، حَكَمُ المباراة السابقة، الذي اعتقل فور مغادرته الملعب..

وأضاف: ولكن خوفنا بدأ يتناقص عندما رأينا مائدة عامرة بالمأكولات الفاخرة، والمشروبات النفيسة، تمتد في وسط قاعة كبيرة فخمة، وكان الأستاذ، بجلالة قدره يستقبلنا ويرحب بنا، ويمازحنا، ثم دعانا لتناول الطعام والشراب، ولم يكتف بذلك بل راح يصب لنا الشمبانيا في الكؤوس ويضع فيها قطع الثلج.. وكان اثنان منا لا يشربان الخمر، ولكنهما لم يجرؤا على التصريح بذلك، وصارا يشربان على مضض. وبعد هذه البداية المخملية تكلم الأستاذ، وحلف لهم يميناً معظماً على أنه لا يعلم -حتى الآن- مَن هو ذلك الحقير التافه الذي اعتقل زميلهم الحكم، ولماذا اعتقله.. وعلى كل حال هو يحقق الآن في الموضوع، وسيعرف أي فرع مخابرات حقير أخذه، ووقتها لن يسكت على هذا الإجراء التعسفي.

وقال: معقولة نحن نعتقل حَكَماً رياضياً لأنه حَكَّم ضميرَه ووجدانه في المباراة؟ نحن ماذا نريد أصلاً؟ نريد من كل إنسان في هذا الوطن المعطاء أن يكون صاحب ضمير. ألم تسمعوا ما قاله عمي حافيظ في آخر خطاب؟ قال لا رقابة على الفكر سوى رقابة الضمير. والفكر ماذا؟ الفكر رياضة. لاعب كرة القدم عندما يقطع الكرة، ويراوغ، ويفتل في أرض الملعب، ويعمل "هات وخود"، وبالأخير يلف الطابة موزة، أو يشوطها دبل كيك، ويضعها في الغول، ألا يكون عقله وتفكيرُه وضميره مرتاحين؟ الحكم نفس الشيء. عندما يأخذ قراراته في الملعب من يراقبه؟ أليس فكره، وضميره؟

لم يرد عليه الحكام لأنهم لم يفهموا قصده. وهو أوضح له قائلاً: يعني عمي حافيظ يقول الصدق وينطق بالحق. كل إنسان يراقبُه ضميرُه.

يوضح الحكم اللاجئ في هولندا لمحدثه أن الملامح الجدية التي كانت مرتسمة على وجه الأستاذ وهو يتكلم عن الضمير والأخلاق، جعلت الأمر يلتبس علينا لفترة وجيزة، فظننا أنه قد أحضرنا من بيوتنا كما لو أننا مجرمون معتقلون، وصرف على مائدته الشيء الفلاني، لسبب واحد هو تحذيرنا من المحاباة (والمخاوَزة)، ولولا الحياءُ لقال إنه لا يمانع أن يفوز الفريق (ص) في المباراة القادمة على فريقه، إذا كان يستحق الفوز..

ولكن الذي حصل، في تلك الآونة، جعل شعر رؤوس الحكام الأربعة يشرئب، إذ فُتح الباب فجأةً، وقُذِفَ إلى القاعة رجل محطم، وجهه مدمى، وكذلك جسمه، لا يوجد فيه شيء يعمل سوى رئتيه اللتين تأخذان الهواء وتخرجانه ببطء. بعد إلقاء الرجل على الأرض، عرف الحكام أنه زميلهم نفسه الذي تسبب بخسارة الفريق سين في مباراة الجمعة الماضية.

خرج الذين كانوا يحملون الحكم، وبقي منهم واحد أقرب ما يكون من حيث الحجم إلى البعير. سأله الأستاذ: وين كان هادا الكر؟

البعير: كان عند الشباب أستاذ.

الأستاذ: وليش جايبينه لهون؟ شيلوه، أنا ما لي علاقة فيه.

البعير: بتؤمر أستاذ.

حمل البعير الحكم المغمى عليه، وأخرجه من القاعة. ساد صمت ثقيل.

قال الأستاذ: الهيئة أن "الشباب" جاروا عليه بالقتل بعض الشيء. الله تعالى يشفيه.

وابتسم وقال: لكن بدكم الصراحة؟ الحق عليه. كان يعرف أن فريقي يجب أن يفوز ببطولة الدوري. ومع ذلك ركب راسه، وحَكَّم ضميره.

وضحك وقال: الضمير، في مثل هذه الحالات بماذا ينفع؟

(للسالفة تتمة).