اختلاف الثقافات: أزمة هوية أم مسار إلزامي للاندماج؟
سلوى زكزك
منذ وصولها إلى فرنسا، قررت مريم أن تستثمر وقتها بالكامل في تعلم اللغة الفرنسية والانخراط في العمل التطوعي. كانت تأمل أن تكون هذه الخطوة بداية لرحلة اندماج سلسة، وأن تكسر الصور النمطية عن "اللاجئ الكسول والمتقاعس". لكنها فوجئت بأن الواقع كان بعيداً عن الأمنيات، وأن الطريق محفوف بعقبات لم تتوقعها، ليصبح الاندماج تحدياً شخصياً وعاماً في آن واحد، وكسراً لجليد الوقت الطويل والثقيل الذي يمر ببطء وقسوة.
سرعان ما اصطدمت مريم بمشكلة أساسية: صعوبة الحصول على دورات مجانية لتعلم الفرنسية. كانت تحتاج إلى نظام تعليمي أشبه بالمدرسي، ببرامج يومية مكثفة تساعدها على تحقيق تقدم نوعي يمكّنها من الاندماج بالمجتمع الفرنسي وتلبية احتياجاتها الحياتية والرسمية والصحية. غير أن كل ما حصلت عليه لم يتجاوز مائة ساعة تدريبية، وهي مدة غير كافية حتى لتغطية التواصل اليومي والأساسي.
بالأمس التقت نسرين إيناس، فتاتان سوريتان قدمتا إلى فرنسا منذ ثماني سنوات. تتذكر إيناس صعوبات الاندماج بين زملاء الدراسة وزميلاتها، وتتذكر النظرات الصامتة التي كانت تقول علناً، لكن بصوت خفي: إنها لا تعرف كيف تتحدث الفرنسية! إنها لا تعرف حتى كيف تقدم نفسها!
تحدث إيناس نفسها متسائلة: لماذا يطلبون مني مهارات التحدث بلغة جديدة، والإقناع بأنني متحدثة واثقة من نفسي ومتفاعلة مع الثقافة الجديدة؟ في البلاد الجديدة، التي قد تبقى غريبة فقط بسبب اللغة، تنهال الأسئلة في كل لحظة على مسامع الأشخاص، وكأن مهمتهم مراقبة الوافدين وتقدير مستوى لغتهم وآلية تواصلهم مع المجتمع الجديد، الذي لا يمد يد العون إلا بمحاولات قليلة وعامة، كمن يقدم للآخر معروفاً سريعاً مغلفاً بمنطق الواجب، أو ينقذه في ساعة سقوط فقط. وبعدها، يتركه ليرمم جراحه ومصاعب الحياة بنفسه ولأجل نفسه، حتى لو وقع فعلياً في العزلة والانغلاق.
يبدو أن الاندماج مسؤولية مشتركة، وليست مسؤولية القادمين الجدد وحدهم. لكن هؤلاء مجبرون على الخلاص بطريقة مفرطة في فردانيتها
يبدو أن الاندماج مسؤولية مشتركة، وليست مسؤولية القادمين الجدد وحدهم. لكن هؤلاء مجبرون على الخلاص بطريقة مفرطة في فردانيتها، حيث تتحول الفردانية إلى شبح مبالغ في قسوته، متخلٍ عن مدّ يد العون بصيغة توافقية ورضائية.
تتساءل نغم دائماً: لماذا يبدو من واجبي أن أشكرهم على أشياء لم أحبها، أو على نشاط لا يناسب شخصيتي ولا يعدّ من أولوياتي أو حتى من رغباتي؟ الصدمة هنا ليست مجرد اختلاف أمزجة ولا اعتكافاً طوعياً عن المشاركة، بل هي مسألة ثقافية بامتياز، ترتبط بالسؤال الأساسي للثقافة: حق الاختيار بين الانغماس المطلق دون أي تلكؤ أو تردد، وبين الحضور الشكلي الباهت والبارد، الذي يدفع الروح إلى التآكل بسرعة وصمت مطبق.
فهل يمكن إطلاق اسم "الأزمة" على حالة اختلاف الثقافات وما تفرزه من مشاكل شخصية وعامة؟ إنها بالفعل أزمة حقيقية! لكنها أزمة مشتركة، لا تخص الأفراد وحدهم وإن كان تأثيرها يظهر عليهم تحديداً. الأزمة تطاول أيضاً تلك النشاطات والفعاليات والرؤى التي تختزل عملية الاندماج الثقافي بمدى المرونة الفائقة المطلوبة من الأفراد، دون الاستناد إلى مراجعات نقدية مستمرة.
ولعل أحد أوجه الأزمة هو الانشغال المفرط بسؤال الجدوى، الذي ينصبّ بصورة أساسية على الأرقام. والأرقام هنا ليست مضللة فحسب، بل قد تكون فخاً! فمثلاً، نكتفي بالقول — بل ونحتفل — بأن 60% من المنخرطين في دورات تعليم اللغة الفرنسية قد نجحوا في المستوى الذي التحقوا به. لكن سؤال الجدوى يحتاج إلى توسيع: هل التمكن من اللغة دائم؟ هل تساعد اللغة المتعلم في حياته اليومية الخاصة والعامة؟ هل يملك الاستعداد لمواصلة تطوير قدرته على التفاعل، وتقديم نفسه بقوة واستقلالية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثقافته الشخصية بكونها بعداً تكميلياً للثقافة الجديدة، دون أن يعني ذلك النكران أو الذوبان؟