اختبار إيران... وماذا عن الحريّة؟

14 يناير 2026
+ الخط -

تظلّ فلسطين، برمزيتها وما تمثّله من صراع وجودي، هي البوصلة التي نضبط عليها توقيت مواقفنا السياسية والأخلاقية، وفي ظلّ الانهيارات المُتتالية في المنطقة، يبدو الحديث عن استقرار إيران ليس مجرّد دفاع عن نظام سياسي قمعي، بل هو رهان استراتيجي لمنع إعلان "الهزيمة الكبرى". ففي الحسابات الباردة لموازين القوى، يشكّل بقاء هذا المحور الحائط الأخير الذي يمنع سقوط معسكر المقاومة سقوطاً نهائياً أمام المشروع الصهيوني. ولكن، هنا تحديداً، يبرز السؤال الأخلاقي الأصعب: ماذا عن الإنسان الذي يعيش خلف هذا الحائط؟ ماذا عن حقوقهم وحياتهم وحريّاتهم، على القياس الإنساني الأصل، وحتى على المعيار الفلسطيني؟

يُطارد الشبح الفنزويلي الكثيرين وأنا منهم، عند متابعة المشهد الإيراني، عدوّ واحد على اختلاف درجة العداء بينه وزائدته الدوديّة (إسرائيل) ومبرّراته وأدوات إدارته، لكنّ الغرض في الحالين واحد: إسقاط نظام الحكم وإبداله بآخر أكثر رضوخاً أو حتى أكثر صهينة/أمركة (يحمل الجنسيّة ويقوم مقام المندوب السامي).

ففي فنزويلا، تمّ اختطاف مطالب الناس المشروعة ضدّ إخفاقات نظام مادورو وتحويلها إلى منصّة للجريمة الأميركيّة. صحيح لم يكن الناس في بؤرة المشهد كإيران، لكنّ الاحتفالات كانت بسقوط "الطاغية" وتحرّر البلاد من القمع، هذا ما يسير عليه الحال في إيران، وهو ما يجعل الكثيرين يتردّدون قبل التعاطي مع الحدث، ومثلي قد يركن آخرون للصمت تجنّباً للمأزق، أو التساؤل كحدٍّ أقصى للتدخّل.

لا يصحّ أن تصبح المقاومة عبئاً يبرّر القمع، كي لا تفقد جوهرها التحرّري

لا شكّ عندي أنّ أيّ ثغرة يفتحها الشعب الإيراني للمطالبة بحقوقه، في هذه اللحظة تحديداً، سيدخل منها المشروع الصهيوني الأميركي، بل هو الذي يدفع لفتح هذه الثغرة بكل ما أوتي من قوّة (تكنولوجية، دبلوماسيّة، إعلامية، وتحريضيّة مباشرة)، ليتمّ القضاء على هذا المحور المزعج "محور المقاومة"، ويحوّل هذا البلد إلى ولاية تابعة أو محتلّة بالوكالة يُدار فيها القرار وتُسيّر فيها الممرّات التجارية وتُنهب الطاقة تحت لافتة "الديمقراطية".

هذا هو الفخّ الأوّل، الذي أُقرّ بالوقوع فيه، ليس تراجعاً عن دعم أيّ حراك شعبي لأجل الناس وحقوقهم، بل نظراً لما سيتلو (يقيناً) هذه الخطوة، لكنّ هنا أيضاً يكمن الفخ الثاني والأكبر؛ إذ دائماً ما يستفيد "ممثلو المشروع" من هذا الخوف لترسيخ سلطتهم المطلقة، مُعتبرين أنّ أيّ نقد هو "تمهيد للاحتلال"، وبذلك، يجد الشعب الإيراني نفسه مُحاصراً بين مطرقة نظام يختزل المقاومة في بقائه، وسندان معارضة خارجيّة مدعومة خارجياً قد تبيع سيادة البلاد مقابل وهم حريّة.

النظام الذي يفشل في حماية شعبه من الفقر والتهميش، هو الذي يقدّم بلاده "على طبق من فضّة" للتدخّل الخارجي

إنّ هذا الذي جرى في فنزويلا جزئياً عبر السيطرة على الأصول وحكم النيابة، هو التهديد الذي يفرض علينا وعياً مزدوجاً: وعيٌ يرفض الانجرار خلف الأجندات الاستعمارية، ووعيٌ يرفض في الوقت ذاته استخدام "فزاعة التدخل الخارجي" لتأبيد الاستبداد، فالنظام الذي يفشل في حماية شعبه من الفقر والتهميش، هو الذي يقدّم بلاده "على طبق من فضّة" للتدخل الخارجي.

لا شكّ عندي في تمثيل إيران "العمق الحيوي" لمشروع المقاومة في اللحظة الراهنة من عمر الصراع، وأيّ اهتزاز عنيف في بنية الدولة الإيرانية لن يؤدي فقط إلى تغيير داخلي، بل سيعني انكشافاً كلياً للمقاومة وتفرّداً صهيونياً بالمنطقة، وبالشعب الإيراني ذاته، قد يمتدّ لعقود. من هذا المنطلق، يصبح الحفاظ على استقرار إيران "ضرورة" لضمان استمرار المواجهة، أو لتجنّب الهزيمة الساحقة. لكن المشكلة تكمن في أنّ هذا الاستقرار غالباً ما يتم تصويره نقيضاً لتطلّعات الشعب الإيراني في الحرية والحياة الكريمة، وكأنّ على المواطن في إيران (كما في لبنان وسورية وغيرهما) أن يدفع ثمن صمود المقاتل في غزّة أو جنوب لبنان من حرّيته الشخصية وحقوقه.

القضية ليست في الدفاع عن النظام أو إسقاطه، بل في منع تحويل المقاومة إلى عدوّ الحرية، ومنع الحرية من أن تصبح حصان طروادة للاحتلال

الرهان على بقاء الأنظمة من دون التفات لرضا الشعوب رهان على رمال متحرّكة، فقوّة أي بلد الحقيقيّة (خاصّة بوصفه ظهيراً للمقاومة) لا تكمن قي قدرته القمعية في مواجهة الجماهير، بل في قدرته على تقديم نموذج يمزج بين سيادة الدولة وحقوق مواطنيها، وكما لا يصحّ أن تلتهم الدولة بعد توحّشها جيوب الناس وأحلامهم وحياتهم، لا يصحّ بالقدر ذاته أن تصبح المقاومة عبئاً يبرّر القمع، كي لا تفقد جوهرها التحرّري، فالمقاومة أصلاً وسيلة للحريّة، ولا يستقيم، لا عقلاً ولا خلقاً، أن نطلب التحرّر من محتلّ خارجي بينما نختطف حريّات الناس في الداخل وحقوقهم.

قد يبدو رمنسة لحال أكثر بؤساً ممّا أحاول تصويره، إذ يشهد الكوكب أقصى لحظات تهميش الناس فيه وسحقهم في الشمال كما في الجنوب وفي الشرق كما في الغرب، ولولا أنّنا نعرف البيانات والوجوه والحكاية لما صدّق القارئ أنّ مواطنين إنكليزيين مُعتقلين تعسّفيّاً في سجون بريطانية يضربون عن الطعام للشهر الثاني وحياتهم مهدّدة من دون أي التفات إنكليزي، فقط لأنهم تضامنوا مع فلسطين، لكنّه الحال في ذهني، إذ أرى الاختبار الحقيقي الذي تواجهه إيران ومعسكر المقاومة كلّه هو اختبار مصالحة مع الشعوب، وإعادة تقديم لحواضنهم وبيئاتهم المحليّة والإقليميّة، فبقاء إيران واستقرارها مصلحة استراتيجية لمعسكر أناصره وأنتمي له، وسبق وكنتُ جنديّاً فيه (داخل غزّة) لكنّ هذا البقاء لن يستمرّ ولا يتماسك إلا إذا نبع من الداخل لا من الأعلى.

القضية ليست في الدفاع عن النظام أو إسقاطه، بل في منع تحويل المقاومة إلى عدوّ الحرية، ومنع الحرية من أن تصبح حصان طروادة للاحتلال.