احتجاجات "جيل زد" وسؤال الأفق
قبل خمسة عشر عامًا من الآن خرج الشباب في المغرب، في سياق ما عُرف بالربيع العربي، وبالتحديد في يوم الأحد 20 فبراير/ شباط من سنة 2011، مُطالبين بالحرية والكرامة ومحاربة الفساد، واليوم يعود الشباب للنزول مرّة أخرى إلى الشوارع.
للوهلة الأولى يبدو أنّ مطالب الشباب في الاحتجاجين هي نفسها، وكأنّ التغيّرات التي عرفها المغرب، لم يكن لها أيّ وقع على حياة عامة الناس، لكن نظرة سريعة على مطالب شباب "جيل زد" الذي يقوم بالاحتجاجات اليوم، يُظهر أنّ هناك اختلافًا جوهريًا بين الحراكين.
كان شباب حركة 20 فبراير قد وضع سقفًا مُحدّدًا للتغييرات التي طالبوا بها، وهي الملكية البرلمانية، أمّا شباب جيل زد فيطالب بتدخل ملكي لحل الأزمة الحالية، كذلك فإنّني سمعت أحدهم يطالب بالعودة إلى الملكية التنفيذية، بعد أن فقدوا تمامًا الثقة بالحكومة والطبقة السياسية.
من العادي والطبيعي أن يُطالب الشباب باستقالة الحكومة، لكن المطالبة بتدخّل ملكي نكوص عن مطالب حركة 20 فبراير، ومطالب الحركة الوطنية منذ بدايات الصدام مع المؤسسة الملكية، بعد استقلال المغرب عن الاستعمارين، الفرنسي والإسباني.
إنّ هذه الوضعية، التي يشهدها المغرب في المرحلة الحالية، تؤشّر على وجود خلل كبير على مستوى النظرية السياسية في البلد، فبدل أن ندعم مسلسل بناء الدولة في إطار الملكية البرلمانية كما هي مُتعارف عليها عالميًا، ملكية تسود ولا تحكم، واعتبار الملك رمزًا من رموز الوطن، نريد منه أن يتدخّل في التسيير اليومي للدولة!
انخراط المؤسسة الملكية في المعيش اليومي للمواطنين، يجعل أسهم النقد مع مرور الأيام توجّه مباشرة إلى الملك
لا أعرف إن كان الداعون إلى هذا الطرح غير مدركين، لتداعياته الخطيرة المُمكنة على البلد، لأنّ انخراط المؤسسة الملكية في المعيش اليومي للمواطنين، يجعل أسهم النقد مع مرور الأيام توجّه مباشرة إلى الملك.
الشؤون التي تهم المواطنين، من الأسلم تركها لإدارة الحكومة لتكون واقياً للصدمات عند الأزمات المُستعصية التي تمرّ فيها البلاد، وترك القطاعات السيادية (الجيش، العلاقات الخارجية...) بيد المؤسسة الملكية، لتكون صمام أمان لاستمرار السلم الأهلي والتعايش السلمي بين مختلف الحساسيات السياسية والثقافية والعقدية...، التي تزخر بها البلاد.
"الديمقراطية، أقل الأنظمة السياسية سوءاً"، كما قال وينستون تشرشل، رغم حسناتها الكثيرة، فلها كذلك نواقص خاصة في ظلّ طبقة سياسية دون مستوى طموحات المواطنين. وهذه الأزمة، أي أزمة الأحزاب السياسية والطبقة السياسية، ليست خاصة بالمغرب فقط، بل نجد مظاهر مثلها حتى في الديمقراطيات العريقة، وخير مثال على ذلك فرنسا التي لم تستقر فيها الحكومة بعد. مع ذلك، لا يمكن الحديث عن الديمقراطية في غياب الأحزاب السياسية، والمجالس المنتخبة.
بدل المطالبة بتدخل ملكي، الأسلم أن تتحوّل هذه الحركة الشبابية إلى حزب سياسي أو الانخراط في الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة الوطنية، لتتحمّل المسؤولية التدبيرية أو الرقابية، و"يضعوا أيديهم في العجين"، كما يقول الفرنسيون، ويسعوا إلى تطبيق شعاراتهم على أرض الواقع، وإلا فإن حركتهم ستلقى المصير نفسه للحركات التي سبقتها، وآخرها حركة 20 فبراير.