إيبو نوح يشيد سفينته… وحميدتي يبني أوهام الخلاص
يبدو أنّ الشعوب لا تتعلّم الدرس أبداً؛ ففي كل حقبة يطلّ علينا "إيبو نوح" جديد، لكن بطوفان يستهدف العقول لا المياه. هذه المرّة، كان "إيبو نوح" الغاني، الذي بشّر العالم قبل فترة بطوفانٍ سيقع في 25 ديسمبر/كانون الأول. وبعد انقضاء اليوم الموعود، خرج مبتسماً، مرتدياً بدلة فاخرة، ليعلن أن الله، وبناءً على "توصياته الخاصة" طبعاً، قرر تأجيل الطوفان، لأن عدد السفن لم يكن كافياً (ثماني سفن فقط)، بينما كان عدد الأتباع أكبر من أن يحتملها الأسطول المتواضع.
ووعد إيبو أتباعه ببناء سفن جديدة، بعد تأجيل موعد الطوفان إلى وقت لاحق، ريثما تُجمع أموال إضافية من التبرعات.
هذه القصة، على طرافتها، دفعتني للتأمل في واقعنا السوداني المرير. فكلما ضحكت من "إيبو نوح"، تذكّرت أن لدينا نسخة محلية مطوّرة تحمل اسم محمد حمدان دقلو، الملقب بـ"حميدتي". هذا الأخير شيّد سفينته الموعودة تحت لافتة "الديمقراطية"، ووعد بإنقاذ السودان من حكم الديكتاتوريات المتعاقبة، ثم بدأ الطوفان الحقيقي… لكنّه لم يكن بالمياه، بل بالدم، للأسف الشديد.
الفرق بين إيبو نوح وحميدتي أن الأول كان صادقاً في كذبه؛ قال للناس إنّ نهاية العالم اقتربت، وبنى سفنه، وجمع التبرعات، وركب "مرسيدس" آخر موديل باعتبارها "متعة صغيرة قبل الفناء". أما الثاني، فادّعى النبوّة السياسية، وقدّم نفسه مخلّصاً للسودان، ثم غرق وغرّق معه البلاد في بحرٍ من الفوضى والنهب والتشريد وبرك الدماء.
الفرق بين إيبو نوح وحميدتي أن الأول كان صادقاً في كذبه؛ قال للناس إن نهاية العالم اقتربت. أما الثاني، فادّعى النبوّة السياسية، وقدّم نفسه مخلّصاً للسودان، ثم غرق وغرّق معه البلاد
إيبو نوح، رغم جنونه، امتلك قدراً من المنطق؛ فعندما فشل "يومه الموعود"، قال لأتباعه: "الرب رحم الناس، فأجّل الطوفان"، ليعيد تدوير الوهم ويفتح باب التبرعات من جديد. أما "المنقذ" حميدتي، فعندما فشل يومه الموعود في 15 إبريل/نيسان، لم يقلْ "نؤجّلها"، بل قال عملياً "نبدأها"، وأدخل البلاد في حرب لا يعلم مداها إلا الله.
واللافت أن كليهما بدأ من الصفر؛ إيبو كان متشرّداً، وحميدتي راعي إبل في صحراء دارفور. لكن الفارق في "الذكاء التجاري" كان واضحاً لصالح المنقذ الغاني المزيّف: إيبو نوح صار نجماً على وسائل التواصل الاجتماعي، يروّج لشركات كبرى، بينما صار حميدتي "ملياردير حرب"، يعلن مواعيده بالرصاص والقتل.
وبعدما فشل طوفان إيبو، وانهار طوفان حميدتي، يتكرّر السؤال ذاته في كل مرة: هل المشكلة في من يدّعون الخلاص، أم في من يصدّقهم؟
في النهاية، الطوفان واحد، وإيبو نوح وحميدتي وأمثالهما كُثر. أما المأساة الحقيقية، فهي أنّنا في كل مرة نركب سفينة جديدة، لنكتشف متأخرين جداً أن القبطان نفسه لا يُجيد القيادة… ولا حتى السباحة.