إمّا أن نموت معاً أو نعيش معاً

09 ديسمبر 2025
+ الخط -

"إمّا أن نموت معاً أو نعيش معاً".. بهذه الجملة حسمت أمي قرارها بعد جهدٍ مستميت في محاولات عديدة للخروج من غزة. كانت المحاولة الأخيرة قد تكلّلت بالحصول على الموافقة لمغادرة القطاع بتأشيرة من مؤسسة "المجد أوروبا"، بينما قوبل طلبي أنا وأخي بالرفض للمرة الثانية على التوالي.

في بداية العدوان على غزة، وبعد نزوحنا الأول نحو مخيمات وسط القطاع وجنوبه، وتجربة العيش في جحيم المخيم، ثم اشتداد الحصار مع تدحرج الحرب المجنونة، تمكّنت أختي الكبرى، المقيمة في تركيا، من إجلاء شقيقتَيّ: إحداهما لم تتجاوز التاسعة عشرة، والأخرى لم تكمل الحادية عشرة من عمرها بعد.

وبعد خمسة أشهر من هذه الحرب المسعورة، لحقت بهما زوجة أخي وطفلتها الرضيعة، بصفتها مرافقةً لجريح. ولا أعرف تماماً إن كان ذلك من جميل حظّهن، أم أنه كان يرسم أولى ملامح شتاتنا كعائلة غزّية كانت تحاول أن تبقى متماسكة.

أمّا أنا ووالدتي وأخي الأكبر، فكان الردّ في كل مرة يأتينا كصفعة على الوجه: "غير مُوافق عليه". كان الأمر ببساطة مرتبطاً بعامل العمر؛ فمن كان دون الثامنة عشرة يُسمح له بالمغادرة، بينما تُرفض في الغالب طلبات من تجاوزوا هذا العمر. وقد شكّل الأمر معضلة حقيقية أمام السفر من غزة، حتى بات الاستثناء الوحيد في ظل الحرب أن يُساوَم الشخص الذي لا ينطبق عليه شرط العمر على دفع مبلغ يناهز 5000 دولار مقابل السماح له بالمغادرة.

وهكذا بقينا هنا في غزة، نطوي عامين كاملين تحت جحيم الحرب، وفي أسوأ الظروف التي تندرج تحت مسمّى "الموت البطيء": تجويع، وقصف عشوائي متواصل، وتشرد، وذل، ونزوح متكرر. تخلّت أمي هذه المرة عن رغبتها باللحاق بأختي بعد غياب دام أكثر من عامين. صغيرتان غادرتا وقد أصبحتا اليوم صبيّتين يافعتين.

ظنت أمي يوم غادرن أنه سفر يحميهنّ من موتٍ حتمي، ولم تكن تعلم أنّ الحرب جاءت علينا جميعاً، وأنهنّ عندما حملن متاعهن القليل وغادرن بعيداً، كنّ يمزّقن شيئاً منّا جميعاً. أدركت أمي ذلك متأخرةً، وعليه كانت جملتها هذه المرة:"سنبقى في سفينة واحدة".
قالتها دون أن تشير مباشرةً إلى الخيبة الكبيرة التي تملأ قلبها، لكن حدس الابنة فهم كل شيء.

بقينا هنا في غزة، نطوي عامين كاملين تحت جحيم الحرب، وفي أسوأ الظروف التي تندرج تحت مسمّى "الموت البطيء"

هاجس الفقد ظلّ يلاحقها خوفاً من أن تخسر أبناءها واحداً تلو الآخر، وأن يُلقى بنا في شتات البلاد. وعدت نفسها هذه المرة بألا نقسّم العائلة كما تفعل كثير من العائلات. لم يخطر ببالها أن يطول الانتظار… وأي انتظار!

كلنا يعرف معنى الانتظار: أن تنتظر ساعة، يوماً أو يومين، شهراً أو سنة وربما سنوات. تقول: طال الانتظار. لكنك تنتظر. كم يمكن للإنسان أن ينتظر؟

أتساءل بعد 733 يوماً من اليُتم الجمعي:

هل يمكن أن يقضي الإنسان كل هذا العمر في محطة انتظار؟
كيف يمكن أن يصبح شعبٌ صاحب أرض لاجئاً ومضطهداً في بلده؟
كيف يمكن لإنسان أن يُنتزع من بيته ويُلقى في العراء بين السماء والأرض، بلا حول ولا قوة؟

أصطدم كل يوم بحقيبة واحدة فارغة إلا من بعض الملابس التي تمنحني دفئاً خفيفاً وسط هذا الحزن الواسع الذي لا نهاية له. كل مرة تذكّرني بحقيقة لجوئي الجديد فوق أرضي، حيث لا يمكنني المغادرة منذ ما يزيد عن عام، بعد إغلاق معبر رفح نهائياً.

اكتشفت في هذه الحرب أن العالم، مهما بدا واسعاً، يضيق بالفلسطيني أينما حلّ. وبكل ما في القلب من حزن وخيبة أدركت أن من هم مثلنا بلا مكان… وبلا وطن!

أريد حياة مرتّبة بسيطة هادئة.
أريد أياماً تشبه الحُلم بدل كل الأيام القاتمة التي مرّت، وما أكثرها.
أريد لأحلامي المعلّقة بسبب الحرب والنار والحصار أن تجد طريقها.
أريد حياة تدهشني، تستوعبني، تشغلني.
أريد أحداً يمحو هذا الكابوس من ذاكرتي.
أريد أسباباً جديدة للحياة لا للموت.
أريد مدينة مكسوّة بالحب والثمر.
أريد أحلاماً جديدة ومبتكرة؛ لأن الحياة تستحق أن تُعاش.

ولأن الأيام درّبتنا دائماً على التعلّق بقشة الأمل… وبطاقة ضوء -even لو كانت بحجم إبرة.

دلالات
ريما القطاوي
ريما القطاوي
ريما القطاوي، كاتبة روائية، وباحثة في الشأن العام عمومًا، والفلسطيني خصوصًا، تدور اهتماماتها البحثيَّة حول القضايا العامَّة المعاصرة ودورانها في عوالم الصحافة، صدر لها رواية "كلنا على سفر".