إلا رسول الله... نقاط على الهامش

27 أكتوبر 2020
+ الخط -

في الوقت الذي يضج فيه العالم الإسلامي بالإساءة التي تقوم بها فرنسا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، انتشرت خلال اليومين الماضيين على وسائل التواصل الاجتماعي رسالة مفادها عدم جواز قول (إلا رسول الله) بدعوى أن معناها (كل المقدسات -ومنها ربنا تعالى- تهون إلا رسول الله!) وبالتالي فهذا منزلق خطير لا يجوز الوقوع فيه!!

كما انتشرت تعليقات أخرى حول جدوى دعوات مقاطعة المنتجات الفرنسية التي بدأت في العديد من الدول العربية والإسلامية، بحجة أن مثل هذه الدعوات لن تؤثر على تلك الشركات ولن تثني فرنسا عن غطرستها وتماديها في إهانة رموزنا ومقدساتنا.

لا أريد الخوض في هذا الجدال وبيان صوابه من خطئه، فهناك من هم أعلم مني -لغة وشرعاً- كتبوا ردوداً في ذلك وبيّنوا وفصّلوا في المسألة، ولكني أودّ التعليق على هامش الموضوع من حيث السياق والتوقيت والبعد الاجتماعي.

بداية أنا لا أشكك في نيات أصحاب تلك الدعوات، فالحكم على نيات العباد ليس من حق البشر، ولكن لا أدري لمَ نحن بارعون في إيجاد القواسم التي تفرقنا، بدلاً من البحث عن القواسم التي تجمعنا. وإنني لأتساءل عن الجدوى من رسائل كهذه في ظل الموجة العاطفية العارمة التي ملأت قلوب المسلمين اليوم، واجتماعهم على قضية واحدة، يرددون عبارة واحدة، نصرة لنبيهم، وإذ بالنقاش يتحول إلى تلك القضية الخلافية الثانوية.

من المعلوم في بدهيات أدب الخلاف أن الفرعيات يُسكت عنها ويُتجاوز عنها لصالح الكليات، وهل هناك أمر كلّيٌّ أعظم من اجتماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل إن الشرع رخّص في أمور محرمة في حالات مخصصة إن كان لها نفع عام ولم يتعدّ ضررها، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً وينمي خيراً. وقالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها: لم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها.

لا خلاف على أن ردود فعل المسلمين تجاه الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا ترتقي لمستوى الحدث ولا تليق بمستوى أمة المليار، وأن الواجب أكبر من ذلك بكثير

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (33746) ، وسعيد بن منصور في "سننه" (2502) عن أبي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " أُتِيَ سَعْدٌ بِأَبِي مِحْجَنٍ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَأَمَرَ بِهِ إِلَى الْقَيْدِ، وَكَانَتْ بِسَعْدٍ جِرَاحَةٌ فَلَمْ يَخْرُجْ يَوْمَئِذٍ إِلَى النَّاسِ قَالَ: وَصَعِدُوا بِهِ فَوْقَ الْعُذَيْبِ لَيَنْظُرَ إِلَى النَّاسِ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ، قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: كَفَى حَزَنًا أَنْ تُطْرَدَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا ... وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وِثَاقِيَا، فَقَالَ لِابْنَةِ حَصْفَةَ امْرَأَةِ سَعْدٍ: أَطْلِقِينِي وَلَكِ اللَّهُ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ أَنْ أَرْجِعَ حَتَّى أَضَعَ رِجْلِي فِي الْقَيْدِ، وَإِنْ قُتِلْتُ اسْتَرَحْتُمْ مِنِّي ، قَالَ: فَحَلَّتْهُ - حِينَ الْتَقَى النَّاسُ .. فَوَثَبَ عَلَى فَرَسٍ لِسَعْدٍ يُقَالُ لَهَا الْبَلْقَاءُ، ثُمَّ أَخَذَ رُمْحًا، ثُمَّ خَرَجَ، فَجَعَلَ لَا يَحْمِلُ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْعَدُوِّ إِلَّا هَزَمَهُمْ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مَلَكٌ لِمَا يَرَوْنَهُ يَصْنَعُ، وَجَعَلَ سَعْدٌ يَقُولُ: "الضَّبْرُ [أي: الركض] ضَبْرُ الْبَلْقَاءِ، وَالطَّعْنُ طَعْنُ أَبِي مِحْجَنٍ، وَأَبُو مِحْجَنٍ فِي الْقَيْدِ!! فَلَمَّا هُزِمَ الْعَدُوُّ، رَجَعَ أَبُو مِحْجَنٍ حَتَّى وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْقَيْدِ، وَأَخْبَرَتِ ابْنَةُ حَصْفَةَ سَعْدًا بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ. فَقَالَ سَعْدٌ: "لَا وَاللَّهِ لَا أَضْرِبُ بَعْدَ الْيَوْمِ رَجُلًا، أَبْلَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى يَدَيْهِ مَا أَبْلَاهُمْ "، فَخَلَّى سَبِيلَهُ.

إن كان هذا الحال فيما يتعلق بالكذب وشرب الخمر، أوليس من الأولى الترخص والتغاضي في مسألة لغوية خلافية؟ ثم ما الفائدة المتوقَّع تحصيلها من ذلك سوى تقليل سواد القوم، وتوجيه البوصلة إلى خلافات جانبية قد تضعف همة البعض وتحبطهم.

ألا يكفي المسلمين اليوم تخاذل حكامهم وممالأتهم للعدو؟ ألا يكفيهم تكالب الأمم عليهم من كل جانب؟ ألا يحق لهم أن يقفوا وقفة واحدة خالصة من الشوائب؟ أليس من حقنا نحن المسلمين أن نظهر أمام عدونا -ولو لمرة واحدة- يداً واحدة دون خلافات جانبية؟

يا من يرى حملات المقاطعة ودعوات المظاهرات اليوم عبثاً لا طائل منه، لا تلوموا عوام المسلمين وتفتوا في عضدهم، لا تطالبوهم بأكثر مما يستطيعون، فليست كل الأمة أحمد بن حنبل، ولو كانوا يستطيعون القيام بأكثر من ذلك لفعلوا، ولكنه جهد المقل، وكما يقول الشاعر: فليسعف النطق إن لم يسعف الحال.

لا خلاف على أن ردود فعل المسلمين تجاه الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا ترتقي لمستوى الحدث ولا تليق بمستوى أمة المليار، وأن الواجب أكبر من ذلك بكثير، ولكن ماذا نفعل إن كان قرارنا بيد شرار الخلق ممن ولاهم أعداؤنا علينا من أبناء جلدتنا -ونحن منهم براء-؟ ماذا نفعل ورحم أمتنا أضحى عاجزاً عن ولادة معتصم جديد يحرق عمورية أو هارون يسحق بجيشه أنوف أحفاد نقفور؟ ماذا نفعل في زمن أضحى الدفاع عن رسول الله في أرض رسول الله جريمة تزج بصاحبها في غياهب السجون لأكثر من 14 عاماً!.

ليس الهدف من انتفاضة المسلمين اليوم هدم اقتصاد فرنسا وإفلاس شركاتها، فالامتناع عن شراء بعض المنتجات ونشر صور المقاطعة في الفيسبوك لن يهدم اقتصاداً ولن يكسر دولة، ولكن القضية قضية مفاصلة وإثبات محبة وولاء، فالنتائج لا تقاس دائماً بمقاييس مادية، وليس بالضرورة أن تظهر ثمرة عملك في عدوك، يكفي أن ترى أثرها رضى في نفسك، وتكاتفاً في مجتمعك، وعقيدة تغرسها في أبنائك في هكذا مواقف. فحين كانت فؤوس المسلمين تقدح في الصخر داخل الخندق والأحزاب تحيط بهم من كل جانب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم يكبر ويقول: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، هل تعلم أن الكثير من أولئك الصحابة ماتوا قبل أن يروا مفاتيح الشام وفارس واليمن؟ ومع ذلك شقّت فؤوسهم الصخر واستمروا في عملهم في تلك اللحظة التي كان أحدهم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط! كما يقول معتب بن قشير في السيرة النبوية لابن كثير.

روى ابن عساكر في تاريخه عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال: "ناظرت الشافعي يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال لي يا أبا موسى: لا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟".

يا من تعتقد عبثية حملات المقاطعة، ألا يستقيم أن تنصر نبيك أولاً وإخوانك ثانياً وإن لم تتفق معهم في جدوى هذه المسألة؟ فإن لم تستطع فانصرهم بصمتك، وهذا أقل النصر!