إعدامات السيسي

01 نوفمبر 2020
+ الخط -

كعادة الانقلابات العسكرية، قام عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب العسكري في مصر بتعليق رؤوس النظام المنتخب بعد ثورة يناير، ومؤيديه على أعواد المشانق؛ ومنذ اللحظة الأولى، أقر قوانين تحل دم المواطن لمجرد الاشتباه في شعوره بالتعاطف مع النظام السابق أو حزبه أو جماعته.

أحدث الانقلاب قفزة مروعة في تاريخ مصر الإنساني نحو المجهول بأن أضرم مشاعر الكراهية الهمجية داخل نفوس جماهيره ضد رافضيه من جميع الفصائل والانتماءات، وصار يسعر نارها بانتظام كلما خبت، فأصبحت الغوغائية تسيطر على وسائل الإعلام وتنادي صراحة باقتلاع أحشاء هؤلاء الذين ينادون بشرعية ديمقراطية حقيقية.

بعد الانقلاب على أول رئيس مصري منتخب، شهدت مصر إصدار عقوبات إعدام بالجملة، وكأنها عملية إبادة ولكن هذه المرة (بالقانون)! فقد صدر منذ عام 2013 وحتى 2020 على الأقل حوالي 2532 حكما قضائي بالإعدام ، نفذ منها تقريبا 188 حكما بحسب إحصائيات منظمات (جبهة حقوق الإنسان المصرية، ومؤسسة كوميتي فور جاستيس، والمؤسسة العربية للحقوق المدنية والسياسية- نضال، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية)، والتي أصدرت تقريرا مشتركا يؤكد أن التشريعات المصرية تحتوي على ما لا يقل عن 78 نصا قانونيا تجيز استخدام عقوبة الإعدام كجزاء لـ 104 جريمة، ويناشد  بالوقف الفوري لتنفيذ أحكام الإعدام في مصر.

اعترف قائد الانقلاب ضمنا بأنه يتدخل في عمل القضاء حينما صرح في أحد خطاباته بأن يد القانون مغلولة وأنه يحتاج أن يحررها. أصدر النظام الانقلابي أحكام الإعدام من خلال دوائر إرهاب بالمحاكم المدنية ، وساحات القضاء العسكري، ومحاكم أمن الدولة ،بالإضافة إلى أنه قام بتغيير العديد من الإجراءات القضائية لتسهيل تمرير هذه الأحكام. بعد إلصاق تهم جنائية بكل المسجونين السياسيين، امتلك النظام القدرة على اتخاذ أحكام صارمة ضدهم دون ملاحقات دولية؛ وهكذا لا يستطيع العالم أن يكذّب السيسي حين يجيب بالنفي كلما سئل عن وجود معتقلين سياسيين في سجونه!

من المواقف الموجعة، كان اضطرار أبوين مسنين المرور بمراسم الدفن  مرتين لرفض النظام تسليمهما ولديهما معا، كذلك تعنت النظام في تسليم جثمان شاب يتيم نشأ في أحد الملاجئ لأصدقائه ليدفنوه!

تحل مصر ضمن أعلى عشر دول في العالم من حيث أعداد الإعدامات السنوية، وقد سجلت المؤسسات الحقوقية عددا من الانتهاكات التي يمارسها النظام أثناء التحقيقات في قضايا الإعدام، ومنها: التقاضي أمام محاكم استثنائية، والإخلال بالحق في الدفاع، والإخفاء القسري للمتهمين، والإكراه المادي والمعنوي، والاستناد لتحريات مجهولة المصدر. يرتكب النظام فعل الإعدام بحق المعتقلين بصور أخرى ترقى للقتل العمد مع سبق الإصرار، منها: تسهيل الانتحار، والتصفية، والاغتيال، والإهمال الطبي، والانهاك، والحبس الانفرادي لمدد طويلة.

بسبب كل هذه التعديات، صار من الصعب الجزم بأن من ينفذ فيهم حكم الإعدام جنائيون فعلا، وخاصة بعد أن أفرج بعفو رئاسي عن مجرمين عتاة صدرت بحقهم أحكام نهائية على خلفية جرائم قتل وحيازة سلاح ومخدرات.

يمارس النظام الانقلابي الإعدام في مصر داخل السجون وخارجها، فكثيرا ما نصّب نفسه قاضيا وجلادا، فمثلا قام بقتل مواطنين في شقق سكنية بحجة انتمائهم لجماعة إرهابية، ونظّم عمليات تصفية واسعة في سيناء التي أصبحت منذ بداية الانقلاب خارج التغطية الاعلامية، وآخر جرائمه كانت إطلاق الرصاص على "عويس أبو الراوي" الذي انتقم لكرامة والده من ضابط شرطة!!

لا تنتهي الانتهاكات عند هدر حقوق المتهم حيا، بل إنها تستمر حتى بعد وفاته، ففي آخر موجة إعدامات قام بها النظام في 3 أكتوبر 2020 ، حيث قام بتنفيذ الحكم في 15 شخصا في يوم واحد من دون أن يُعلم أهالي المحكوم عليهم، أو يمنحهم فرصة لقاء أخير!  فوجئ المتابعون بمناشدات منظمات حقوقية لأهالي المنفذ بحقهم الأحكام ليتوجهوا إلى مشرحة  كانت تحت حراسة قطاع الأمن المركزي والعمليات الخاصة لاستلام الجثث. لم يستلم الأهالي جثامين أبنائهم إلا بعد عدة أيام من الانتظار، وإمعانا في إذلالهم، تم حظر أداء صلاة الجنازة أو مرافقة الميت إلى القبر إلا للأقارب من الدرجة الأولى وتحت الحراسة المشددة.

من المواقف الموجعة، كان اضطرار أبوين مسنين المرور بمراسم الدفن مرتين لرفض النظام تسليمهما ولديهما معا، كذلك تعنت النظام في تسليم جثمان شاب يتيم نشأ في أحد الملاجئ لأصدقائه ليدفنوه!

أنهي مقالي برسائل سطرها بعض من نفذت فيهم أحكام الإعدام:
خاطب الشاب أحمد طه وهدان ابنته ليلى التي خرجت إلى الحياة بعد اعتقاله بشهور، قائلا: "ليلى بنيتي، اعلمي يا حبيبة قلب أبيك أنه لم يرتكب أي جرم أو ذنب، حبيبتي كان همي حمايتك وإيجاد وطن يحميك، وليس مجرد سجن كبير، سامحيني لم أستطع ضمك ضمة أخيرة، أو أقبل جبينك،غاليتي، أحبك".

برّأ أحمد محروس الطالب في كلية الهندسة نفسه، فقال: "اتهمت بقتل رجل أشهد الله أني لم أكن أعرف اسمه ولا شكله".

يقول الشاب أبو القاسم علي يوسف: "كنت معصوب العينين، أجبروني على خلع ملابسي كاملة، وساروا بي بين عنابر السجن، وجعلوني أسب نفسي بألفاظ يعف عنها لساني، كانوا يغمروني بالماء ويعرضوني للصعق الكهربي".

واجه الطالب محمود الأحمدي القاضي قائلا: "أعطني صاعقا كهربائيا وسأجعل أي شخص يعترف بأنه من قتل السادات، لقد عذبوني بكمية كهرباء تكفي مصر مدة 20 سنة".

كتب المعتز بالله غانم، الطالب بكلية التجارة: "أنا لا أعرف الأشخاص الذين طلبوا مني الاعتراف عليهم ولم أقابلهم من قبل، كتبوا لي صيغة في ورقة وطلبوا مني أن أحفظها، وعندما واجهني وكيل النيابة بالاتهامات أنكرتها، فهاج، فخفت وقلت له ماذا تريدون؟ قال: أن تعترف بما طلب منك".

وأختم بآهات أمّ تمت تصفية ابنها المسجون سياسيا بالرصاص في سجن العقرب سيئ السمعة خلال حادث غامض قامت إدارة السجون بالتعتيم عليه، تقول الأم: "ترى يا حبيب القلب لماذا قتلوك؟ ترى هل حملوك برفق أم جروك على الأرض جرا؟ كم من الوقت مر عليك وأنت تنزف؟ برغم أنهم مجرمون إلا أني كنت لأقدر لهم لو أنهم أرسلوا لي وقتها لأحتضنك وأمسح دمك وأحمل رأسك برفق. لا أصدق أن هناك من استطاع أن يطلق الرصاص على  كائن بريء مثلك، كيف واتته الجرأة أن يواجه حدقتيك؟ هل عصب عينيك الجميلتين حتى لا يراها؟".