فرص إسرائيل لتغيير الشرق الأوسط والقضاء على الخصوم

02 ديسمبر 2025
+ الخط -

مشهد الحرب الشاملة في الشرق الأوسط يعود مجدّداً مع كلّ عملية إسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، واستمرار الخروقات في قطاع غزة، فيما الطرفان الآخران، حماس وحزب الله، لا يزالان منضبطين وملتزمين باتفاقَي وقف إطلاق النار، حتى تُغلقا باب "الذرائع" أمام إسرائيل، بينما المدافع والطائرات الحربية الإسرائيلية تقصف وتقتل دون الحاجة إلى أي ذريعة.

يزداد الوضع في لبنان تعقيداً بعد مرور سنة كاملة على الحرب الثالثة بين إسرائيل وحزب الله، وهي حرب مالت نتيجتها ـ وفق المعطيات الميدانية والأمنية ـ لصالح تل أبيب. فإسرائيل لم تنسحب مما يُسمّى بـ"النقاط الخمس"، وتهدّد بالتعمّق داخل لبنان عبر احتلال أجزاء أخرى، ناهيك عن السيطرة الجوية والاستخباراتية الهائلة التي مكّنتها من فرض واقع جديد في ساحة المعركة.

ماذا تريد إسرائيل؟

الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط تغيّرت كلياً منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ولن تعود إلى ما كانت عليه سابقاً. تعمل إسرائيل اليوم على الحفاظ على الوضع الراهن (Statut quo) الذي صنعته بالشراكة مع الولايات المتحدة، وأي محاولة فعلية لتغيير هذا الواقع ستُواجَه بحرب دموية جديدة، سواء في غزة أو لبنان أو أي ساحة أخرى، وسيصمت عنها العالم وكأن شيئاً لا يحدث.

ولا ترى الحكومة الإسرائيلية فرصة مؤاتية أفضل من اللحظة الراهنة للقضاء على حماس وحزب الله والحوثيين في اليمن وإيران. ومع غياب توازن الردع، والدعم الدولي غير المشروط المبني على المصالح ـ والدليل تمرير قرار مجلس الأمن 2803 بنجاح ـ فإن الميدان في كامل الشرق الأوسط يظل مفتوحاً أمام إسرائيل، وتتسع فرص التوسّع وبناء الخطط الاستراتيجية للسنوات المقبلة.

تعمل إسرائيل اليوم على الحفاظ على الوضع الراهن الذي صنعته بالشراكة مع الولايات المتحدة، وأي محاولة فعلية لتغيير هذا الواقع ستُواجَه بحرب دموية جديدة

هذا الوضع ليس جديداً؛ فقد عاشت إسرائيل لحظة مشابهة سنة 1982 حين كانت تحتل قطاع غزة ووصلت قواتها إلى بيروت، واستقدم الأميركيون قوات المارينز ضمن تحالف دولي، لكنّ القوة لم تدم طويلاً. انقلبت المعادلة إلى تفجيرات قاتلة ثم انسحابات متتالية وصولًا إلى الانسحاب الكامل من لبنان عام 2000، ثم من غزة عام 2005. تبخّرت مشاريع كبرى أو تأخر تنفيذها وتعطّلت خططها. لا يعني ذلك أن التاريخ سيعيد نفسه اليوم، لكنّ عنصر المفاجأة في الشرق الأوسط، وفي هذه الحرب المتواصلة، عادةً ما يأتي من الأوساط غير المرئية وغير المحسوبة.

هل تُستعاد المبادرة؟

في ظل هذا المشهد، يصعب الحديث عن استعادة المبادرة من قبل حزب الله أو إيران. فالظرفية الحالية تتطلّب إصلاح الأعطاب والأخطاء التي قادت إلى النتائج الراهنة. وهذه العملية لا تعني الامتناع عن الرد، لكنّ "بيئة القرار" اليوم في طهران وبيروت وغزة هي الأصعب منذ سنوات، بسبب الضغوط غير المسبوقة داخلياً وخارجياً.

ولربّما يُفسَّر عدم الرد على العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان بعدم الوقوع مجدداً في "فخ التحيّزات" التي تنتج القرار الخارجي الخاطئ. فقد سقط حزب الله في تحيّزات أمنية ولوجستية قاتلة ساهمت في ما شهدناه قبل سنة ولا يزال مستمراً حتى يوم اغتيال القائد "الطبطبائي".

وإذا كان الجيل المؤسّس لحزب الله بات اليوم مكشوفاً أمنياً أمام إسرائيل، فإن عناصر هذا الجيل الذين لم يُغتالوا بعد قد يكونون مستهدفين لاحقاً، بما في ذلك الأمين العام الحالي نعيم قاسم، وهو احتمال غير مستبعد. إلّا أن تدارك الأخطاء وإغلاق الثغرات الأمنية قد يغيّران هذا المسار، والأهم هو الحفاظ على سريّة الجيل الصاعد للمواجهة، فانكشافه سيشكّل خطراً حقيقياً، وقد يمنع استعادة المبادرة العسكرية بشكل حاسم وربما نهائي.

حرب تنتهي لتبدأ أخرى

الحروب في العالم سلسلة طويلة لا تنقطع. وما إن تنتهي حرب حتى تستعد أخرى للانطلاق. وفي الشرق العالمي (الشرق الأوسط وشرق أوروبا) تبدو المعادلة واضحة. فمع ارتفاع التوقعات بقرب نهاية الحرب الروسية ـ الأوكرانية التي استنزفت أوروبا وروسيا وأقلقت واشنطن، سيتجه التركيز حتماً نحو الشرق الأوسط لحسمه بالقوة، ما دامت الإشارات القوية من بكين وموسكو (مثل عدم تفعيل الفيتو في مجلس الأمن) توحي بتخلٍّ سياسي عن المنطقة، مقابل السماح لهما بحسم نزاعَي تايوان وأوكرانيا لصالحهما.

وعليه، يبقى الوضع الراهن في الشرق الأوسط ـ من غزة ولبنان وصولاً إلى إيران واليمن ـ مفتوحاً على حرب إيرانية ـ إسرائيلية جديدة، قد تندلع مباشرة بعد النهاية الوشيكة للحرب الأوكرانية (إذا اكتملت الاتفاقات على خطة ترامب). حربٌ هدفها إما تغيير الوضع كلياً من طرف طهران أو تل أبيب، أو تثبيت الوضع الراهن بكامل نتائجه العسكرية والسياسية.

إن شعار "تغيير وجه الشرق الأوسط"، الذي رفعه بنيامين نتنياهو منذ عامين، يقف اليوم أمام فرص متعدّدة لتحقيقه. وهو يتغنّى به عند كل عملية اغتيال ناجحة وفي كل مناسبة سياسية. لكنّه في النهاية يبقى شعاراً سياسياً صعب التحقيق وسط جغرافيا متقلبة ومتحرّكة يصعب تثبيتها لعقود طويلة.

كاتب صحفي مغربي وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بسلك الدكتوراه بكلية أكدال الرباط.
أيمن مرابط
كاتب صحفي مغربي وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بسلك الدكتوراه بكلية أكدال الرباط.