أوطان متطلّبة: من الخائن؟
ليس سهلاً على "مُعتقل مزمن" يحترف الكتابة (باعتبارها وسيلته في التواصل مع العالم ومع ذاته، ومصدر دخله كذلك) مثلي، أن يجالس الأسرى المحرّرين ويستمع لتجربتهم من دون أن يتأذّى تحفيزًا وتداعيًا شعوريًّا، لكنها لا تمرّ كذلك من دون طبطبة خفيّة تخبرك بين الجملة وأختها "اطمئنّ، لست وحدك"، لا مُحاولةً للمقاربة الذاتية، بل لما تفرضه التجربة السجنية من مشاركات لا تختلف بين العربية والعبرية.
يفسّر ناصر أبو سرور الكون والوجود انطلاقًا من ثابته الوحيد "السجن"، إذ كيف له أن يتصوّر ذاته إذا انتُزع منها غالب مكوّنها ونواة بناءاتها التفصيلية؟ ولعلّ هذا مدخلٌ مهم لقراءته، وهو ليس قصدي الآن، فأنا هنا لألتقط مرارته من وطنه المتطلّب، الذي يفكّر أو لعله يتمنى لو ولد في وطنٍ آخر لا يلزمه ليصبح فيه مواطنًا صالحًا أكثر من دفع الضرائب والالتزام بالقوانين.
هذه هي الفكرة التي سيطرت عليّ طوال حفل توقيع كتاب ناصر المعنون "حكاية جدار"، والذي فات عليه أسبوع لكنني اعتقلتُ قبل الكتابة عنه، وهذا لقائي الأول بجهاز كمبيوتر بعد أن سرقت قوّة نفاذ القانون أجهزتي ومُتعلّقاتي الشخصية ولم تُعدها لي حتى اللحظة. ولعلّ هذه الاختطافة التي تعرّضتُ لها بين حضور اللقاء مع ناصر وبين الكتابة عنه برهانٌ على ما أودّ تناوله: أيّ وطنٍ هذا الذي يكلفك كتابة مقال فيه حرّيتك وسلامتك وأمنك وأموالك؟ وأفكّر الآن مرارًا قبل كتابة كلّ جملة "أيّ منها سيقتادني به إلى التحقيق أو السجن؟".
**
تقوم الفكرة الحديثة للوطن في أساسها الفلسفي على تصوّر تعاقدي بسيط يتنازل فيه الأفراد عن جزء من حرّيتهم مقابل أن تضمن لهم الدولة الحياة والأمان والكرامة.هكذا تخيّل فلاسفة العقد الاجتماعي نشأة الدولة: أداة بشرية وظيفتها الأولى أن تحمي الناس من الفوضى لا أن تصنعها، لكن هذا التصوّر حين يُختبر في واقع بعض الأوطان يبدو أقرب للوهم، فهناك أوطان لا تكتفي باحترام مواطنيها للقانون ودفع الضرائب ولا حتى الولاءات الرمزية بصورها المختلفة، أوطان تطلب البرهان، والذي لا يكون بالعمل والمشاركة، بل بالقدرة على التحمّل والتضحية.
في هذه الأوطان، لا يُسأل المواطن عما يقدّمه في حياته اليوميّة، بل عما هو مستعدٌّ لخسارته، تُعاد صياغة الوطنية (تلك التي أصابها التشوّه ويروّجها ضحاياها) بوصفها استعدادًا دائمًا لدفع الثمن وتحمّل الأذى (بل الاحتفال به تشريفاً)¡ ثمن الحريّة حين تُصادر بوصفها ضرورة مرحلة، ثمن العمر حين يُستهلك في الانتظار، وثمن الحياة نفسها حين تُستدعى التضحية بها بوصفها واجباً أخلاقيّاً.
لا يُسأل المواطن عما يقدّمه في حياته اليوميّة، بل عما هو مستعدٌّ لخسارته
في فلسطين تُمارَس هذه الوطنيّة القسرية على الجسد والوجود مباشرةً وبلا توقّف، العيش فعل مقاومة، لكنّ النجاة لا تستقبل دائمًا بوصفها حقّاً بل بوصفها عبئاً أخلاقياً (لماذا بقيت حيًّا بينما مات غيرك؟)، هناك يُختبر الانتماء في أدقّ تفاصيل الحياة ويدفع الوجود الإنسانيّ ذاته إلى معادلة قاسية لا خيار فيها (وأنا مع المقاومة قولاً فصلاً، لكنّي أتحدّث عن اضطرار الناس للاختيار بين المقاومة أو الإبادة)، وفي مصر مثالٌ مُشابه، لولا اختلاف الحال، إذ لا احتلال ولا جيوش معادية، وإن اختلفت السياقات والوقائع، تظهر الصورة ذاتها بصياغات أخرى: وطنٌ يُطالب بالصبر الدائم، ويقدّم الاستقرار سلعةً ثمنها الوحيد نهش الحقوق والأجساد والأعمار.
هنا لا تعود الوطنية علاقة ثنائيّة بين مواطنٌ ووطن، وثالثهما شيطان السلطة، بل عمليّة إخضاع طويل الأمد، وسحقٍ لا نهائيّ لمقوّمات الإنسان (صوته ونظره وإحساسه... مثلاً)، وينهض في قلب هذه المعادلة البائسة "وحش الدولة"، تلك الأداة التي أوجدها الإنسان لتنظيم حياته وحماية مصالحه، فإذا بها تنفلت من غاياتها الأولى وتتحوّل لغاية في ذاتها، تتضخّم وتبتلع المزيد من الموارد، المزيد من التنازل، والمزيد من الخَرَس، وحين يكتمل توحّشها (باكتمال سيطرتها) لا تعود حارسًا للمجتمع بل مفترسًا له؛ تلتهم أموال المواطنين باسم الضرائب والديون، وتقايض حرياتهم بالأمن، وتضع حياتهم نفسها في ميزان "المصلحة العليا"، وكلّما أعطيتها أكثر، أقنعتك أنّ ما أُخذ لم يكن كافيًا بعد، وأنّ الخطر لا يزال قائمًا، حتى ينتفي وجود الجميع إلا هذا الوحش-المسخ في بركة هائلة من الدماء والأشلاء والمظالم.
إنه وطنٌ لا يسمح لك أن تعيش بكرامة، ولا يغفر لك إن حاولت
في هذا السياق، تظهر واحدة من أقسى مفارقات الأوطان المُتطلِّبة: وصمة الخيانة، وهي هنا (الخيانة) لا تُلصَق فقط بمن يعارض، بل بمن يقرّر أن يعيش؛ فمن يختار الحرية يُتَّهَم بالأنانية، ومن يختار النجاة يُوصَم بالتخلّي، ومن يهاجر يُحاسَب أخلاقيًّا على بقائه حيًّا، هكذا يُدفَع الإنسان إلى فخٍّ أخلاقي: إن ضحّى استُنزف بلا نهاية، وإن نجا أُدين، إنه وطنٌ لا يسمح لك أن تعيش بكرامة، ولا يغفر لك إن حاولت.
وهنا، لا يعود السؤال عن مقدار الوطنية، بل عن شروطها؛ ماذا يجب أن يقدّمه الوطن، في المقابل، ليستحق من مواطنيه هذا القدر من التضحية؟ هل يكفي الاسم والعلم والخطاب؟ أم أنّ الوطن، إن أراد من أبنائه حقوقه عليهم، مُطالب أولًا بأن يجعل هذه الحياة مُمكنة، وآمنة، وجديرة بأن تُعاش؟
في المنطق الأخلاقي البسيط، لا تكون التضحية فضيلة إلا إذا كانت اختيارًا حرًّا، أما حين تصبح إلزامًا، وتُربَط الوطنية بالموت، والنجاة بالخيانة، فإننا لا نكون أمام وطن، بل أمام لعنة، ويبقى السؤال مفتوحًا، مؤجَّلًا، ومخيفًا: ما الوطن أصلًا؟ ومن الخائن في هذه المعادلة؟