"أنبياء جدد" يبيعون الخلاص

28 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 19:34 (توقيت القدس)
+ الخط -

في زمنٍ باتت فيه "قيمة" الفكرة رهينةً لعدد الإعجابات، يعتلي المنابر الرقمية "أنبياء جدد" يبيعون الخلاص في كبسولات صوتية. هؤلاء يُبشّرون بـ "دين الفردانية الجديد"، إذ الحل دائماً في "الداخل"، والفقر مجرد وهم، والاكتئاب سحابة صيف تُقشع بنية صافية. إنهم يعدونك بالنجاة إن صدّقت، وبالارتقاء إن دفعت، أما إن تجرأت واعترضت، فأنت "سلبي" تُعكّر صفو الكون، ولا تستحق النور.

تكمن الكارثة في "صناعة الهروب من الواقع"؛ إذ تنهال عليك العناوين البراقة: "تحكم في واقعك"، "أنت ما تفكر فيه". هذه الشعارات تختزل تعقيدات الحياة القاسية في "لعبة ذهنية" ساذجة. لكن، كيف يُقنعون شاباً في الجزائر سُدّت في وجهه سبل العمل بأن "أفكاره" هي السبب؟ أو فتاة في دمشق تعيش العتمة بأن "طاقتها الداخلية" هي التي تحتاج لإنارة؟ أو خريجاً في بغداد يصارع اليأس بأن "ذبذباته" منخفضة؟ إنّ هذا الخطاب يمارس "تزييفاً للوعي"، ويُحمّل الفرد وزرَ واقعٍ بنيوي لا يملك حياله حولاً ولا قوة. إنه يُخدّر الضحية بدلاً من تسليحها بأدوات التغيير الحقيقي.

لقد تحول الوعي في هذا السوق إلى "منتج استهلاكي"؛ فالبودكاستات ليست رسائل تنويرية، بل خدع تسويقية محكمة. تبدأ بنصائح ناعمة، وتنتهي ببيع "الوهم" عبر دورات باهظة: "تحقيق الوفرة"، "فك صدمات الطفولة". هنا، يجري "تسليع الألم" بدم بارد، وتتحول المعاناة البشرية إلى فرصة ربحية. يُدفع المستمع، فقيراً كان أو غنياً، للدوران في حلقة مفرغة من الاستهلاك الروحي، واهماً أنه على بعد دفعة بنكية واحدة من السعادة الأبدية.

الوعي الحقيقي ليس انكفاءً على الذات، بل هو اشتباك مع الواقع. الوعي ليس تجميلاً للقبح ولا إنكاراً للألم، بل هو الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة

الأخطر من ذلك هو إعادة تأطير الألم ونزعه من سياقه؛ فالفشل ليس نتاج بطالة هيكلية بل "رسالة كونية"، والقهر ليس نتاج استبداد بل "انعكاس داخلي". بهذه "الروحانية النيوليبرالية"، تجري خصخصة المعاناة. بدلاً من الغضب الصحي المحفز للتغيير، يُقدّم لنا "الامتنان السام". لكن الواقع لا يُشفى بالتنفس العميق وحده؛ فمن فقد بيته أو مستقبله لن يُرمم روحه بـ"تمرين طاقة". هذه الممارسات تعمّق العزلة، وتجعل الفرد يجلد ذاته على مآسٍ صاغتها أنظمة وظروف خارجة عن إرادته.

تتميّز هذه البودكاستات بلغة ناعمة ومخادعة، لغة تُروّض الروح ولا تحرّرها. إنها تُقنعك بأن تغييرك الشخصي المعزول كافٍ لتغيير العالم، مُتجاهلةً أن الوعي الحقيقي ليس انكفاءً على الذات، بل هو اشتباك مع الواقع. الوعي ليس تجميلاً للقبح ولا إنكاراً للألم، بل هو الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة: لماذا نتألم؟ ومن المستفيد من تخديرنا؟

إن هذه الصناعة تكرس ما يمكن تسميته بـ"دكتاتورية الإيجابية"، إذ يصبح الحزن وصمة عار، والقلق دليلاً على "فشل روحي". في هذا الكرنفال النفسي، يجري تجريد الإنسان من حقه المشروع في الانهيار، ويُطالب بأن يكون نسخة بلاستيكية لامعة لا تخدشها نوائب الدهر. إنهم ينتزعون منا "حكمة الألم"، فهو ليس مجرد عطب تقني يجب إصلاحه فوراً، بل هو معلم وجودي صارم، وجزء لا يتجزأ من نسيج النضج البشري.

علاوة على ذلك، فإنّ هذا الخطاب يُفتت اللحمة الاجتماعية، محولاً المجتمع إلى جزر منعزلة من الأفراد "المستنيرين" الذين لا يعنيهم سوى مداراتهم الخاصة. حين يصبح "أنا" هو محور الكون، يتلاشى "نحن"، وتموت روح التضامن الجماعي التي كانت عبر التاريخ درع الشعوب في وجه المحن. هكذا، نغدو كائنات هشة، تتوهم القوة وهي في أقصى درجات الانكشاف، تلاحق سراب السيطرة المطلقة في عالم يحكمه الغموض، وتستبدل "طمأنينة اليقين" بـ"قلق البحث الدائم" عن نسخة أفضل لا تأتي أبداً.

في الختام، يجب أن ندرك أنّنا أمام عملية ممنهجة لـ"تعليب الوعي". إنّ البودكاستات التي تعدك بالتحرر قد تحولك في الحقيقة إلى "مستهلك نرجسي"، لا يرى في العالم سوى مرآة لذاته المتضخمة. ما نحتاجه اليوم ليس وعياً مُعلّباً يُباع في متاجر التطبيقات، بل "وعي مُشتبك"؛ وعي يمتلك الشجاعة للنظر في عين الواقع، يُسائل الأسباب، ويرفض أن يكون مجرد زبونٍ في سوق الأوهام الكبرى.