أنا والكلابش وحرامي الأنبوبة (2/5)

18 يناير 2021
+ الخط -

كان يمكن لكلام الضابط أن يصيبني بإغماء فوري من فرط التوتر، لولا أن ساق الله إليّ في خلفية الكادر، وجه عامل البوفيه الذي كان على وشك أن ينفجر في البكاء، وكأنه سمع للتو قراراً من المحكمة العسكرية بإعدامي، وحين رأى الضابط أن نظري مركز على زاوية ما خلفه، التفت ليرى عامل البوفيه وقد أوشك أن يتصدع فيخرج منه الماء، فضحك الضابط بشدة، لتزيد ضحكته من عبثية الموقف، ويشجعني ضحكه على طرح السؤال الذي كان يتراقص حولنا منذ بدأنا الحديث: "يعني سعادتك أنا مطلوب القبض عليّا؟ وهل ينفع أتصل بمحامي الجرنان؟"، ليضحك الضابط مجدداً، ويقول مستغربا من جهلي ببديهيات الحياة: "وهو لو كان مطلوب القبض عليك كنا هنقعد ناخد وندي كده؟ ده كانت الشرطة العسكرية قامت بالواجب وزيادة من زمان".

وحين انطلقت مني ضحكة عصبية كنت أخفي خلفها عدم فهمي لموقفي من الإعراب العسكري، وهل أنا مقبل على فشخة مبينة أم لا؟ أخذ الضابط يشرح أنه ليس قادماً للقبض عليّ وإلا لحضر بصحبة الشرطة العسكرية، وأن مهمته لها علاقة بالحصول على أصل ورقة الشكوى المقدمة من المواطن، لاستكمال أوراق القضية التي يحاكم فيها، وحين سألته ببلاهة أي قضية يقصد، قال بابتسامة كأنه يروي أملوحة إن الشرطة العسكرية كانت قد قامت صباح اليوم بالقبض على الشاكي وأحالته إلى المحاكمة لأنه قام بإضاعة بطاقته العسكرية، ثم قام بنشر الواقعة في الصحف، بدلا من التوجه إلى قيادته المباشرة للإبلاغ عن الأمر.

ولكي يطمئنني الضابط الدمث، وينفي تسببي في فشخ ذلك المواطن المسكين، الذي كنت أتصور أنني أسدي له خدمة بنشر شكواه، قال إن الأمر بسيط، وفيه شهر سجن بالكثير، وست شهور تأديب على أقصى تقدير، "لإن ده العادي يعني في الجيش"، ثم طلب مني أن أسرع في إحضار نص الشكوى، لأنه لا بد أن يعود إلى مقر وحدته، موصياً إياي قبل رحيله مباشرة، بالحذر في المستقبل حين أنشر أي رسائل أو موضوعات لها علاقة بالجيش، وقد ساعدني على الإسراع بتلبية طلبه، تعودي على الاحتفاظ بالمواد المنشورة في كراتين كنت أخزنها في بلكونة (الزنئور) تحسباً للظروف، لينتهي الموقف المكهرَب بأسرع مما تخيلت، حين قمت بتسليم أصل الشكوى إلى الضابط، فنصل إلى ختام المشهد العصيب الذي أضفى عامل البوفيه عليه لمسة كوميدية في الختام، حين قام بأداء التحية العسكرية للضابط والجنود، حال خروجهم من المقر، قبل أن يطير مرتميا في حضني، وهو يهمس بعبارات مثل: "كفارة يا برنس.. كنت هتروح في أبو نكلة وتفشخنا معاك.. لازم تدبح حاجة بأربع رجلين.. فُكّها علينا زي ما ربنا كرمك".

كرّ شريط هذه الأحداث أمام عيني، بمجرد أن قال لي المُحضَر ضاحكاً بين شفطتين من كوب الشاي: "وهو لو الجيش كان اللي مبلّغ فيكو يا أستاذ.. كنت أنا برضه اللي جيت.. كان زمان الشرطة العسكرية مشمّعة المقر وساحلاكو كلكو على س 28"، ومع أنني كنت أسمع لأول مرة لفظة "س 28" التي أصبح كثير من المصريين يعرفون بعد ثورة يناير أنها مقر النيابات العسكرية، من فرط ما تردد اسمها في فواجع المحاكمات العسكرية للمدنيين، إلا أنني لم أسأل المُحضَر عن معنى ذلك الاسم الغريب الذي لفظه، والذي ذكرني بدروس الكيمياء القديمة، فقد كنت حريصاً على زحلقته، بعد أن ثبت انعدام جدواه في تقديم أي معلومات إضافية.

المصائب كما تعلم لا تأتي فُرادى، ومصيبتي الثانية كانت أنني لن أتمكن من المثول أمام النيابة برفقة محامٍ قدير، أطمئن إلى مساعدته لي على الإفلات من تهمة مقلقة مثل "افشاء أسرار عسكرية"

اتكل المحضر على الله فرحاً بإكمال مهمته بدون أن يضيع عليه الماتش، في حين سارعت بالتوجه إلى مركز للتجهيزات الفنية، كان يقع على بعد عمارات من مقر الصحيفة في شارع سعد زغلول، كان يتواجد فيه رئيس التحرير الأستاذ إبراهيم عيسى، ليشرف على تنفيذ عدد جديد من (الدستور)، كان قد اتفق مع عصام إسماعيل فهمي على اصداره، تحدياً لقرار الدولة بإغلاق الصحيفة، وكان يفترض أن يتم ذلك من خلال حيلة قانونية بسيطة قام عصام فهمي بفعلها، حين اشترى ترخيص صحيفة حزبية من أحد الأحزاب الكرتونية التي لم أعد أذكر اسمها الآن، فقد كان القانون يتيح للأحزاب السياسية وحدها حق إصدار الصحف دون أخذ إذن مسبق من المجلس الأعلى للصحافة، ولم تكن الدولة تشعر بقلق من إساءة استخدام الأحزاب لهذا الحق، فقد كانت الدولة من خلال أجهزتها الأمنية العتيدة، مخولة بالموافقة على تأسيس الأحزاب السياسية، مما كان يجعل الساحة السياسية قاصرة على "الأحزاب برخصة"، وللتأكد من عدم خروجها على الخطوط الحمراء تحت أي ظرف، كان يتم تفخيخها من الداخل بأجسام مضادة للأحزاب، تؤدي إلى الإطاحة بالقيادات المشاغبة، وأحياناً إلى انقسام الحزب إلى أربع أو خمس جبهات، لو فكّر قادته أن يقوموا بما هو أبعد من دور المعارضة الكرتونية، والتي تساهم في تكريس انطباع شعبي عام، بأنه لا يوجد في البلاد بأسرها أحد كفء وجاد وحريص على مصلحة مصر سوى الرئيس القائد المفدى ورجاله وحزبه.

في الوقت نفسه، كان جهاز مباحث أمن الدولة الذي يقوم بعمل رقابة صارمة على الأحزاب ومتابعة دائمة لما ينشر في صحفها، يغض النظر عن عمليات المتاجرة بتراخيص الصحف الحزبية، التي كانت تتم بعلم بعض الضباط الكبار مقابل حصولهم على نسبة من ثمن بيع التراخيص، وكان عصام إسماعيل فهمي وإبراهيم عيسى يظنان أن عملية شراء الترخيص الجديد من ذلك الحزب، ستفلت من قبضة الرقابة الأمنية هذه المرة، بسبب انشغال الأجهزة الأمنية بتداعيات حادث الأقصر الإرهابي، خاصة بعد أن تم تصعيد رئيس جهاز أمن الدولة حبيب العادلي ليصبح وزيراً للداخلية، بعد إقالة اللواء حسن الألفي والإطاحة برجاله، وكانت (الدستور) قبل إغلاقها بأسابيع، قد نشرت ضمن سلسلة هجومها على وزارة الداخلية، تحقيقاً صحفياً سمحت به الرقابة عن أسرار الصراع بين وزير الداخلية ورئيس جهاز أمن الدولة، وكان عصام فهمي سعيداً للغاية بالتحقيق من باب الكيد في وزير الداخلية ورجله القوي رؤوف المناوي، وكان يظن أن التحقيق سيساعد الصحيفة ضد حملات وزارة الداخلية الشرسة المطالبة بإغلاقها، فربما رفع جهاز أمن الدولة إلى رئاسة الجمهورية تقريراً يوصي بعدم إغلاق الصحيفة، ليعضد ذلك من فرملة صفوت الشريف لمحاولات إغلاق الصحيفة، وكان عصام فهمي قد روى لنا قبل ذلك على سبيل الفخر واقعة قال فيها إن أحد المسئولين اشتكى في اجتماع مع حسني مبارك من خبر نشرته (الدستور) في أعدادها الأولى ـ العدد الخامس على ما أذكر ـ فنظر حسني مبارك إلى صفوت الشريف وقال له مؤنباً: "هو مش الجرنان ده كان قفل يا صفوت"، ومع ذلك لم تغلق (الدستور) بل استمرت حتى نهاية شهر فبراير 1998، وبالطبع لم يكن ممكناً أن يحدث ذلك بدون علم حسني مبارك، فربما أقنعه صفوت الشريف إن بقاء الصحيفة وهي تحت سيطرة الرقابة سيكون أكثر فائدة للنظام الذي كان لا يكف في ذلك الوقت عن التغني بشعار "لم يُقصف في عهده قلم ولم تُغلق صحيفة".

في هاتيك الأيام التي كان يحكم مصر فيها نظام لم يخلع بعد برقع حيائه مع القضاء بشكل كامل، كان وجود المحامي الضليع في القانون، يفرق معك كثيراً في قضايا الرأي والنشر

كان لدى (الدستور) صديق قوي آخر ينتمي إلى الدائرة المحيطة بقرينة رئيس الجمهورية سوزان مبارك، هو فاروق حسني وزير الثقافة، الذي كان يرتبط بصداقة وثيقة مع إبراهيم عيسى، منذ أن لمع ككاتب في مجلة (روز اليوسف) من خلال مقالاته المناهضة لتيارات الشعارات الإسلامية، ورغم أن صفوت الشريف وفاروق حسني كانا في ذلك الوقت في حالة عداء معلن، يعرفها كل المطلعين على كواليس السياسة في مصر، إلا أن فاروق حسني كان حريصاً على أن يوثق علاقته بصحيفة (الدستور)، دون أن يطلب منها بشكل مباشر دعمه أو التوقف عن انتقادها لوزارته، بل وكان يخبر إبراهيم عيسى ببعض تفاصيل الحملات الأمنية التي كانت تحرض حسني مبارك على (الدستور)، مؤكدا أنه كان يقول كلاماً طيباً للرئيس والهانم بحق (الدستور) وأهمية وجودها كصوت معارض "وطني"، وهو ما جعل إبراهيم عيسى يقرر في إحدى المرات، أن يفرد صفحة كاملة لمدح أعمال فاروق حسني الفنية، كتبها صحفي كان يعمل بالأهرام المسائي اسمه محمد عبد الواحد، سيصير فيما بعد مستشارا لوزارة الثقافة، وستجمعني معه تجربة أخرى مضحكة مبكية بعد سنين حين تشاركنا في إصدار صحيفة (القاهرة) الثقافية الأسبوعية التي أصدرتها وزارة الثقافة ولم أكمل العمل فيها أكثر من شهرين، لكن إبراهيم عيسى في المقابل كان كعادته ذكياً، فقد نشر تلك الصفحة المحتفلة بفن فاروق حسني في موضع آخر من الصحيفة، بعيداً عن صفحة الثقافة التي كان يشرف عليها في العام الأول من (الدستور) الشاعر الكبير إبراهيم داوود، وخلفه في تحريرها والإشراف عليها الروائي حمدي عبد الرحيم، ولم يقم إبراهيم عيسى بفرملة هجوم الصفحة المستمر على مؤسسات وزارة الثقافة، في نفس الوقت الذي كان يعلن فيه في أكثر من موضع عن إعجابه بفاروق حسني وصداقته له، قبل أن ينقلب عليه ثانية بعد إغلاق (الدستور)، ويقوم بالسخرية اللاذعة منه في ثنايا روايته الشهيرة (مقتل الرجل الكبير)، قبل أن تعود صداقتهما وثيقة بعد ذلك، وهذه قصة أخرى.

كان عصام إسماعيل فهمي وإبراهيم عيسى يظنان أن حبيب العادلي المثقل بمهامه الجسيمة، سيغض النظر عن صفقة شراء عصام فهمي لترخيص الصحيفة الحزبية، وكانا يظنان أن ما حدث للصحيفة ـ من إغلاق صارم لم يترك لها فرصة للمراجعة أو الاعتذار عن خطأ نشر بيان الجماعات الإرهابية الذي اعتقد الكثيرون أنه مفبرك و"مزقوق" على الصحيفة بذلك الشكل الذكي ـ كان مجرد غضبة حكومية مؤقتة سببها التوتر العام في البلاد بسبب حادثة الأقصر، وأن شكوى نجيب ساويرس ساهمت في تأجيج الغضب ضد الصحيفة برغم كونه من أبرز داعميها، وأن ذلك يمكن أن يتغير بعد أن يهدأ الموقف ويتاح للجميع فرصة توضيح مواقفهم.

ظن عصام فهمي وإبراهيم عيسى أيضاً أن عودة (الدستور) من خلال الترخيص الحزبي ولو بشكل مؤقت، يمكن أن يساعد في تحقيقها عوامل كثيرة من أهمها وجود سند جماهيري للصحيفة، لن يجعل جماهيرها يتوقفون عن شرائها حين يجدون عنواناً جديداً على ترويستها إلى جوار عنوان (الدستور)، أو بدون وجود عنوان (الدستور)، لأن ذلك الجمهور بنص تعبير عصام فهمي كان سيشتري أي صحيفة عليها اسم إبراهيم عيسى، وأظنه كان محقاً فيما قاله لأن (الدستور) كانت قد حققت جماهيرية مذهلة بالمعايير الصحفية في مصر وقتها، وهو ما جعل الأستاذ إبراهيم يقول لي ذات مرة جلسنا فيها على قهوة بائسة في شارع متفرع من شارع القصر العيني بعد إغلاق الصحيفة بأسبوعين، إنه حزين ومستغرب لماذا لم تخرج أي مظاهرات من جمهور الصحيفة المحب تحتج على إغلاق صحيفته المفضلة.

لكن الرهان على الجمهور لم يكن السبب الوحيد للإقدام على خطوة كهذه، فقد كان هناك رهان مبالغ فيه ـ كما ثبت فيما بعد ـ على علاقة عصام إسماعيل فهمي الطيبة بصفوت الشريف، وعلاقة إبراهيم عيسى الطيبة بفاروق حسني المقرب من "الهانم"، وبعض العلاقات الطيبة التي كان عصام إسماعيل فهمي وإبراهيم عيسى قد كوّناها في مناسبات عديدة مع بعض رجال الدولة، وعلى رأسهم زكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، وهي العلاقة التي استمرت لسنوات طويلة، لكنها لم تخرج إلى العلن، إلا حين تناقلت بعض صفحات الإنترنت باستغراب في مايو 2010 ، الصور الودودة التي جمعت بين زكريا عزمي وعصام فهمي وإبراهيم عيسى في حفل زفاف أحمد نجل عصام فهمي، والحقيقة أن ذلك النوع من العلاقات الشخصية لم يكن أمراً غريباً أو يخص (الدستور) وحدها، بل كان جزءاً من التركيبة السياسية الخاصة لعهد مبارك، الذي كان يحرص فيه رجال دولته على إبقاء ضفائر وجدائل مع أغلب رموز المعارضة السياسية والصحفية، من أجل لملمة المسائل في لحظات الأزمات، وهو ما لم يدرك أهميته جمال مبارك، بعد أن تمكن هو ورجاله من الإطاحة برجال أبيه القدامى، ولا يدرك أهميته السيسي الآن بعد أن جرب بنجاح ساحق فاعلية أسلوب الشخط والزغر في المعارضين.

كان يمكن لكل تلك العلاقات التي كوّنها عصام فهمي وإبراهيم عيسى برجال الدولة وببعض أجهزتها أن تكون مجدية، لكنهما تحت وطأة الحماس المستند إلى نشوة النجاح الجماهيري التي دامت عامين وثلاثة أشهر، قررا أن يلعبا مع أجهزة الدولة لعبة الأمر الواقع، بحيث تنزل الصحيفة الجديدة فجأة إلى الأسواق بعد طبعها في مطابع (الأهرام) التي كان عصام إسماعيل فهمي قد كوّن مع الوقت علاقات وطيدة مع مسئوليها، والذين كسبوا لمؤسستهم أيضا الكثير من طبع وتوزيع الصحيفة الأكثر مبيعاً في مصر، ولم يكن ممكناً بالطبع أن يبقى ذلك التحدي سراً، ولذلك حين وصلت أنباؤه إلى الرئاسة عبر الأجهزة الأمنية تضاعف غضبها، وحين تغضب منك رئاسة الجمهورية، لن يرد عليك من تعرفه من رجالها بعد أول جرس كما كانوا يفعلون، بل سيطول انتظارك كلما تكرر اتصالك، وحين ينقطع الاتصال تماماً ستزيد خيبة أملك، ويزيد انفعالك، وتتملكك رغبة هدم المعبد على رؤوس الجميع، وتتلبّسك حالة نضالية ربما لم تكن من الأصل أهلاً لها، وكل ذلك يبدأ في اللحظة المريرة التي تدرك فيها أنك لم تكن صديقاً حقيقياً لأحد، بل كنت صديقاً مرحلياً، فقط لأنك تمتلك صحيفة مؤثرة، وحين لم تعد تمتلكها، أصبحت مجرد رقم على "إنديكس" التليفون، لا يلتفت إليه أحد.

حين وصلت إلى مقر التجهيز الفني الذي كان قد بدأ العمل فيه قبل فترة وجيزة، وفي ظل سعي جميع من في المقر لإنجاز العدد الأول من (الدستور) في ثوبها الحزبي الجديد، قبل أن يحل ليلاً موعد مباراة نهائي كأس الأمم الأفريقية، أخبرت الأستاذ إبراهيم عيسى بموضوع الاستدعاء العاجل لي بتهمة افشاء أسرار عسكرية، فانطلقت منه ضحكة مجلجلة، وأشار إلى بروفة الصفحة الأولى للعدد المرتقب، والتي قرر أن ينشر فيها فوق ترويسة الصحيفة، قصيدة عمنا أحمد فؤاد نجم الشهيرة (كلمتين لمصر)، مُفرِدا على ثمانية أعمدة بعرض الصفحة الأولى عبارتها الجميلة: "حد ضامن يمشي آمن أو مآمن يمشي فين"، ولا زلت حتى الآن أحتفظ بقطعة الفيلم المعدة للطباعة والتي تحوي تلك القصيدة الخالدة التي لا زالت للأسف من ثوابت الحياة في مصر.

كان الأستاذ إبراهيم في ذلك الوقت يعاني نفسياً من آثار استفحال مرض السيدة والدته التي كانت مهددة للأسف ببتر قدمها، كجزء من آثار علاج خاطئ تورط فيه طبيب شهير، وبدا لي أن ذلك الوقت لن يكون مناسباً للحصول منه على الكثير من التضامن في مصيبة الاستدعاء، فلديه من المصائب ما يكفيه، وفي ضوء ما كان يعانيه وقتها، قرأت ضحكاته العالية بوصفها منبئة عن شحنة انفعالية يمتلئ بها صدره، قبل أن يتضح أن ضحكاته الملفتة، كان لها علاقة بمصائب جديدة لا تخصني بل تعم كثيراً من زملائي، وأن استدعائي للنيابة، لم يكن أمراً يخصني أنا وسمير عمر فقط، بل كان جزءا من حملة قضائية، قررت الدولة أن تشنها على (الدستور) وعدد من العاملين فيها بعد قرار الإغلاق مباشرة، حيث تم تحريك بلاغات عديدة في نيابات مختلفة، كان بعضها موضوعاً في الأدراج منذ سنة، وهو ما فسّر لي لماذا تأخر تقديم البلاغ بعد مرور عدة أشهر على نشر موضوع قتل المشير أحمد بدوي، وحين علت ضحكة مجلجلة أخرى من إبراهيم عيسى، توقعت أن يكون هناك مصيبة أخرى قادمة في الطريق، وهو ما حدث بالفعل.

(3)

المصائب كما تعلم لا تأتي فُرادى، ومصيبتي الثانية كانت أنني لن أتمكن من المثول أمام النيابة برفقة محامٍ قدير، أطمئن إلى مساعدته لي على الإفلات من تهمة مقلقة مثل "افشاء أسرار عسكرية".

في هاتيك الأيام التي كان يحكم مصر فيها نظام لم يخلع بعد برقع حيائه مع القضاء بشكل كامل، كان وجود المحامي الضليع في القانون، يفرق معك كثيراً في قضايا الرأي والنشر، فلم تكن إدارة سلطات الأمن لتحقيقات النيابة بالتليفون والأمر المباشر قد تحولت من استثناء إلى قاعدة، يعني، لك أن تعلم أنه في أول مثول لي أمام نيابة أمن الدولة العليا، كان من يدافع عني المحامي العظيم الأستاذ أحمد الخواجة نقيب المحامين الأبرز، ولذلك تحول التحقيق من رحلة مرعبة يفرضها اسم نيابة أمن الدولة العليا، إلى تجربة لطيفة ممتلئة بضحك عبثي، كنت قد أخبرتك عن تفاصيلها في تدوينة سابقة.

لكن الأستاذ أحمد الخواجة كان قد فارق الدنيا إلى رحاب الله قبل عام ونصف، ليتولى بعده الدفاع عن أغلب القضايا المرفوعة على صحيفة (الدستور) المحامي البارز عصام الإسلامبولي، والذي كان يمتلك خبرة واسعة بقضايا النشر والرأي، وكان من شأن حضوره معي أن يطمئنني كثيراً، لكن إبراهيم عيسى أخبرني أن ذلك لأجل حظي لن يكون متاحاً، لأنه سيذهب إلى النيابة في نفس اليوم، للحضور مع إبراهيم عيسى في بلاغ تم تقديمه ضمن سلسلة البلاغات التي انهمرت على الصحيفة عقب غلقها، إما لأن أحداً في رأس الدولة المصرية طلب ذلك، فامتثل كثيرون لرغبته، أو لأن من كانوا يكنون العداء للصحيفة وكتابها، شعروا أنها أصبحت فريسة سهلة، بعد أن فقدت مصدر قوتها الأهم، أو لنقل الوحيد، وهو قدرتها على تقديم صحافة ناجحة مؤثرة، فلولا ذلك لما سعى هذا المسئول أو ذاك لاستغلالها، ولولاه لما خشيها هذا الجهاز، ولما خطبت ودها تلك المؤسسة.

اكتملت ملامح الصورة السوداء المقبلة، حين جاء إلى مقر التجهيز، زميلنا محمد رضوان الصحفي بجريدة الأخبار وقتها ـ مدير تحرير (المصري اليوم) فيما بعد ـ والذي كان يقوم بتحرير صفحة الحوادث والقضايا في (الدستور) دون أن يضع اسمها عليه، وقال لنا إنه تأكد من مصادره في الأجهزة القضائية، أن هناك تعليمات حكومية صارمة أمرت بـ "الشد على بتوع الدستور"، وهي عبارة مشحونة بالدلالات، خطر في بالي للحظة أن أسأله عن معناها التفصيلي، لكنني التزمت برأي الدين الحنيف: "لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم".

وفي حين كان الحاضرون في ذلك الجمع الكئيب، يتحدثون عن تفاصيل تحريك بلاغ رفعه الروائي القديم ثروت أباظة ضد جمال فهمي مدير تحرير (الدستور)، بسبب مقالة ساخرة نشرها في صحيفة (العربي) الناصرية ـ تعرض جمال بسبب تلك المقالة للسجن الفعلي ستة أشهر بعد أسابيع من غلق (الدستور) ـ كنت قد قررت أن أشغل وقتي فيما هو أجدى لي، وهو التفكير في اسم محامٍ قدير، يحضر معي التحقيق دون أن يحصل على أتعاب مادية لا أمتلكها أصلاً، قبل أن أحمد الله وأثني عليه، لأنه ابتلاني حتى الآن بقضية وحيدة تنتظرني، فقد كان يمكن أن أكون مثل غيري مطلوباً في قضيتين أو ثلاثة.

ولأنني لم أكن وقتها عضواً في نقابة الصحفيين، لم تكن النقابة سترسل معي محاميها المخضرم الأستاذ سيد أبو زيد للدفاع عني مجاناً، فقد ذكّرت نفسي بأن والدتي كانت تعاني من ظروف مادية سيئة في ذلك الوقت، ولم يعد لديها ذهب لكي تبيعه لدفع أتعاب المحامين، وفكرت في مدى تعاستي لأنني سأُحرم من ذلك المشهد الحميم الذي رأيته في عشرات المسلسلات والأفلام، ولن أرى أبدا يدي أمي الطاهرتين، مع "كلوز أب" على عروقهما البارزة من وعثاء السفر وطول الطريق، وهي تحمل صرة مليئة بالغوايش طالبة مني بيعها للإفلات من غياهب السجون، فأقبل يديها باكياً وأنا أصدمها بأن كل ما تحمله من ذهب، لن يدفع أصلا أتعاب أسبوع عمل لأي محامٍ عُقر.

ظللت ساهياً في غمرة تلك الأفكار العبثية، حتى أخرجني منها صوت إبراهيم عيسى وهو يشد من أزري، قائلاً إن (الدستور) لن تتخلى عني، وأنه سيتواصل فوراً مع ناشرها عصام إسماعيل فهمي لكي يأخذ منه وعداً، بأن الصحيفة ستكلف محامياً كبيراً لحضور القضية معي، واتصاله العاجل بعصام فهمي انتهى بإطلاقه لضحكة عريضة مجلجلة، كانت تحمل كالعادة مصيبة جديدة، لأن المحامي الكبير الذي رشحه عصام فهمي لكي يدافع عني، قائلا إنه الوحيد المتاح في وقت ضيق كهذا، كان في الحقيقة رجلاً بيني وبينه ثارات أسبوعية، ولو كان أمري بيده، لأصدر بنفسه قراراً بحبسي مع الشغل والنفاذ، فكيف سيقوم بالدفاع عني إذن بقلب جامد؟
كان المحامي المتاح طبقاً لترشيح عصام فهمي، هو الدكتور إبراهيم على صالح النائب الأول السابق لرئيس محكمة النقض، والذي كانت تربطه صداقة قديمة بناشر (الدستور)، أظنها بدأت عبر اشتراك الإثنين في أنشطة حزب الوفد السياسية، قبل أن يقرر عصام فهمي استغلال تلك الصداقة لتوفير نفقات الدفاع فيما يرفع عليه من قضايا، مقابل أن يسمح للدكتور المستشار بقدح زناد فكره عبر صفحات (الدستور)، وكان لعصام فهمي في ذلك سوابق عديدة، يلح عليّ من بينها الآن نموذج فريد، لا يمكن أن أفوت فرصة حكيه لك، هو نموذج طلعت جاد الله، الذي كان النموذج الجنيني الذي تولدت منه نماذج جديدة فيما بعد، من بينها نموذج الدكتور إبراهيم علي صالح.

...

نكمل غدا بإذن الله