أنا وأحمد والانتفاضة

12 ديسمبر 2025
+ الخط -

في حديث "إلكتروني" عابر للقيود، مع أحد الأصدقاء، وكنّا نتحدث عن أوضاع الفلسطينيين عموماً، احتدم النقاش، الدائر بيني أنا ابن مخيّمات الشتات، المحروم من حقوق كثيرة، وهو ابن مخيّمات الضفة الغربية المحتلة، ولن أذكر اسم المخيّم أو اسم الصديق لضرورات شخصية.

وإليكم هذا المقتطف من حديث دار بيننا، وسأسمي صديقي المجهول، مجازاً بـ"أحمد":

أنا: تصدق أول مرة في حياتي بعدي تاريخ ذكرى الانتفاضة وما بتذكره، إحنا تخدرنا لهاي الدرجة؟ بطلنا نتذكر حتى تواريخنا المهمة.

أحمد: ياخوي والله ما هو نسيان، بس شايف كيف حياتنا صارت.

أنا: ما هي حياتنا من زمان هيك، صح في صعوبات وتضييقات أكثر علينا وعليكم، بس أنت متخيل 38 سنة على ذكرى الانتفاضة الأولى، وأجت الثانية بعدها وأجت هبة القدس، وحروب غزة، بس ما رجع صار انتفاضة، الشعب تخدر مثل ما قلتلك.

أنا: بتعرف لو إحنا فينا نوصل عندك عالضفة، كنّا عملنا انتفاضة ثالثة، أو حاولنا عالأقل.

أحمد: ههههه انت متخيّل بتقدر، ما هو بتهرب من اليهود، بطلعلك المستوطنين، بتهرب منهم، بطلعلك لقمة العيش وأهلك.

أنا: يعني خلص نصير انهزاميين ونسلم.

أحمد: سميها مثل ما بدك، يمكن تعبنا، يمكن بدنا ناخد نفس، سميها كيف ما بدك، بس تقولش انهزاميين.

وطال الصد والرد بيني أنا وأحمد، دون الوصول لحسم بيننا، لكن ذلك الحديث أثار فضول أفكاري، وشد ذهني إلى يوم ثار الفلسطينيون في التاسع من ديسمبر/كانون الأول، عام 1987.

عملية دهس إسرائيلية، أشعلت الفتيل، وشب الفلسطينيون غضباً في وجه الإسرائيليين، وحاربوا بالحجر، ولم تهدأ نارهم، إلّا بتوقيع "اتفاق أوسلو" عام 1993، ولن يتسع المقال لنفصل حيثياته، وما قدم أو سرق ذلك الاتفاق من الشعب الفلسطيني.

وبعد أن كنت أحاول إقناع أحمد، أن الشارع الفلسطيني خمد ولن يطلق مجدداً ثورة شاملة تكون انتفاضتنا الثالثة، أدركت أن ما يعيشه الفلسطينيون يمكن تسميته، الانتفاضة المستمرة.

فالفلسطينيون في القدس ومدن الضفة الغربية وقراها، وطبعاً قطاع غزة، في حالة تأهب دائم، في ظل التغول الإسرائيلي، الذي تضاعف مرات عدّة، بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، الذي لا يمكن تجاهله عند الحديث عن أي صمود فلسطيني.

الوحشية الإسرائيلية المتزايدة، بدعم بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، فرضت حالة من القهر والتقييد، والاستباحة لأرواح الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، غير مسبوقة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومع قدوم اليميني المتطرف، ابن المستوطنات غير الشرعية، إيتمار بن غفير، إلى السلطة وتسلمه "زعامة" قوات الأمن والشرطة، ونسميها زعامة لأنّ أفعال بن غفير ما هي إلّا إجراءات عقاب جماعي، تخالف القوانين الدولية والإنسانية كافّة، وحتى القانون الإسرائيلي، الذي تتغنى به "دولة الديمقراطيات المزعومة"، لكن تطبيقه لا يشمل الفلسطينيين.

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، سجلت أكثر من 8 آلاف هجوم لمستوطنين على الفلسطينيين خلال العامين الماضيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة، كلّها تنفذ بحماية قوات الجيش أو الشرطة الإسرائيلية، وبأوامر مباشرة من بن غفير الوزير في حكومة نتنياهو المتطرفة.

أكثر من ألف و90 شهيداً، قتلوا برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية، وما يزيد على 20 ألف حالة اعتقال، خلال السنتين الأخيرتين، ونذكر أن ذلك في الضفة فقط.

تلك الأرقام تعكس، واقع الضفة الغربية المحتلة ومعها مخيّمات اللاجئين، التي تحولت إلى ما يشبه موقعاً عسكرياً كبيراً، مستباحاً من الاحتلال ومستوطنيه، بلا أي رادع أو خطوط حمراء، وذلك دون الحديث عن قطاع غزة الذي يئن ألماً ودماً، في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة هناك رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

ولأنّ حديث الانتهاكات الإسرائيلية يطول، ولن يتسع لذكرها جميعها، هذا المقال، أعود معكم، إلى أحمد، فهو من جعلني أدرك أن الشعب الفلسطيني اليوم في ظل تلك الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية يعيش حالة من النضال المتواصل، والانتفاضة الدائمة، في وجه العربدة الإسرائيلية.

كل ذلك، إجراءات على طريق التوسع الاستيطاني، المتوج بمشروع E1، النابع من الأيديولوجيا الإسرائيلية، التي يحاول نتنياهو وجماعته المتطرفة الدفاع عنها بشرائع سماوية تلمودية مزيفة، فما كان مفاجئاً إعلان نتنياهو عزمه ضم الضفة الغربية المحتلة إلى "السيادة الإسرائيلية"، والتلويح والتهديد بتلك الخطوة عند كل ذكر لحل الدولتين، الذي بات الأميركيون، بعودة دونالد ترمب إلى الرئاسة أقل إيماناً به، ولو كانت الإدارة الأميركية لا تزال تتحدث بشأنه على مضض.

وعندما فتحت عيني، شكرت محمود درويش على أشعاره، فلولاه لما وجدنا من يسكن أفكارنا، نحدثه ونشاركه مآسينا، وذلك التضارب في حياتنا.

ولولا "أحمد العربي" الراسخ في عقولنا، لا ندري إن كنّا سنرضخ، أو نسلم، لكننا ما زلنا نقاوم، نصمد، ابن الشتات في مخيّمه، ابن الضفة في أرضه، ابن القدس في أزقتها القديمة، وابن غزة فوق ركام منزله.

الفلسطينيون لم يصنعوا انتفاضة ثالثة، لأنهم منتفضون يومياً، في وجه الاحتلال ومستوطنيه، وعربدتهم المتواصلة، ومنتفضون في وجه الخذلان والصمت على جرائم قتلهم، ومنتفضون في وجه التهجير القسري، والتهويد الممنهج، والتوسع الاستيطاني المتسارع.

دلالات