أنا لستُ سيئاً في الحب
لستُ قادراً على كتابة الشعر في هذه اللحظة، اللغة تشبه نهراً جافاً، ليس طيّعاً ولا سهلاً. سأمشي صبيحة غدٍ في الشوارع، أراقب الشمس وهي تدخل كلّ ذرة هواء، ثم أجلس على الرصيف، بعدما تأذن قطّة لي بذلك. أنا مصوّر جيّد في عالم مقلوب، يمكنني رؤية الفرح عن بعد، والحب أيضاً، بينما الحزن في كلّ مكان.
أنا مصوّر جيد، في عالم مقلوب، لا تأمنوا فيه حقلاً ولا نهراً، غداً ستعود الحرب، وتلعق أصابعها، بعد أن تنهش كلّ شيء تحبّونه، أنا لا أفهم كيف لا تغمضون عيون أبنائكم عند كلّ فرح، لا أفهم كيف تأمنون ألّا تصير حياتكم السعيدة رماداً بعد ذلك.
الضباب يعمّ الأماكن الآن، وينفذ إلى لغتي بشكل وقح لا أريده، الضباب في الشعر أن أرى الأشياء على شاكلتها فحسب. باب غرفتنا في الشعر ينبغي أن يمتلك روحاً، ويصير له أوجاع واشتياقات لأمّه الشجرة.
مقاعد الصالة يصير لديها طموح لحوح، لتجلس في الشمس على الشرفة. الضباب في الشعر أن أصدّق العالمَ على شاكلته، أنّ شيئاً ليس عنده القدرة على الكلام.
أنا لستُ سيئاً في الحب، أنا عندما أحبّ يصير قلبي قاعةً ضخمة، مليئةً بالورد والألوان، وأشعر بأنّ الظلال الوارفة وعشب الطريق، قد خُلقا الآن من أجلي.
أنا عندما أحبّ يُخيّل إليّ أنّ العالم كلّه يضحك، لا يشير الآن إلى قلبي بقناصاته وسهامه.
أنا لست سيئاً في الحب، أنا عندما أحبّ يصير قلبي حقلاً بلا أسوار، يطفح ماءً ورقةً ليس بمقدور شيء أن يوقفهما.
يمكنني رؤية الفرح عن بعد، والحبّ أيضاً، بينما الحزن في كلّ مكان
لكنني أودّعكِ، أيتها الحمامة التي كانت على كتفي، أودّعكِ بأجمل ما لديكِ من كلام، بأرق ما لديكِ من عشق وتوق. بعدكِ أنا خُلقت للوداع فحسب، بعدك أنا خُلقت للخسارات. أودّعكِ لأنّ العالم لم يكن بمقدوره أن يشهد شاعراً يعشق حديقة، أودّعكِ لأنّ فرحي قاصر على تصديق "بحبك" التي تخرج من فمك؛ ملائكة وآلهة، تشرّع الدنيا أمام ناظريّ، وتفتح البحار أمام قلبي الحزين مثل غابة في ليل طويل، وتسحب الخوف من جسدي، وتورده الرقةّ والسكينة والجمال، وتبثّ فيه أرق ما يمكن لهذي الأرض أن تلده.
أنا من فرط حبّي، سحبت قلبي من يدك، فإنني لا أقبل لذراعيكِ أن تحتضن جسداً غارقاً في الرماد والجراح، لا أقبل لتلك الشفاه الرقيقة مثل أوراق الورود، أن تذبل فوق مذاق الحزن على جلدي.
أرغب ألّا أغادر "حيدر" الذي عشقتِه أوّل مرّة، أنا لم أغادر "حيدر" الذي عشقته أوّل مرّة، لكنني مثل أيّ عمارةٍ في هذه المدينة، مثل أيّ شجرة في تلك الشوارع، أموت، أنهار، وأحترق.
أنا لستُ سيئاً في الحب، لكنني قرّرت أن أكون سيئاً، لأنها الطريقة الوحيدة التي بمقدورها أن تسحب الجنة التي في قلبكِ، عن قلبي الرماد.
لا أقبل لذراعيكِ أن تحتضن جسداً غارقاً في الرماد والجراح
ستحبين غيري غداً، ستنجبين أبناءً، يشبهون صوتك في الصباح، ونعاسكِ آخر الليل، لن يكون في بالكِ اسمي، ولن يمرّ على خيالك كيف أعيش.
ستحبين غيري غداً، بينما أكون أسقي الورد في بلاد بعيدة، في غرفة باردة، أمسح النافذة، وأغسل الأطباق، كما أريد لهذا القلب، أن يُنسى.
لست قادراً على كتابة الشعر هذه اللحظة، إنّ الصمت في مثل هذه الأوقات، لا يشبه كلّ القصائد التي كتبتها، بل أشدّ رقةً على قلبي من الكلام، أشدّ رقةً على روحي من الوداع.
أيتها الحمامة التي كانت على كتفي، إنني هنا، من خارج قصّتنا تماماً، أراقب كلّ هذا الحبّ في قلبي، كلّ هذا الحبّ في قلبكِ، وكلّ هذه الوداعات.