أسطول الصمود الإنساني

28 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:28 (توقيت القدس)
+ الخط -

ما الذي يجعل بعض البشر يتركون المدن التي وُلدوا فيها، يودّعون الأزقة المألوفة والمقاهي الصغيرة، ويخوضون عباب البحر بأشرعة مُهترئة وأمل عنيد لا ينكسر، وهم يدركون أنّ السفن قد لا تصل، وأنّ الرياح قد تنقلب حليفة للأعداء؟ ما الذي يدفعهم إلى تلك المغامرة التي تبدو للوهلة الأولى غير محسوبة، لكنها في العمق تحمل معنى أكبر من أيّ حساب؟ هل هو توق إلى إنقاذ مدينة غزّة التي تختنق وترزح تحت حصار يقتل الروح الإنسانية، أم هو الامتحان الأبدي الذي يضع الضمير الإنساني أمام مرآة الحقيقة: ماذا يعني أن تكون إنسانًا حين يتحوّل العالم إلى آلة صامتة مُتواطئة أمام مأساة إنسانية لم يشهد التاريخ مثلها؟

أسطول الصمود، بأكثر من أربعين سفينة من كلّ أنحاء العالم، يشقّ طريقه نحو غزّة المحاصَرة لكسر قيود الاحتلال الصهيوني، غير أنّ هذه الرحلة لا تقف عند حدود الجغرافيا وحدها، بل تتوغّل في أعماق الفلسفة نفسها، حيث يتردّد صدى سؤال مارتن هايدغر عن الوجود: ما معنى أن نكون "في العالم" إذا كان هذا العالم يقف صامتًا أمام الألم البشري؟

إنّ القوارب الصغيرة، وهي تنطلق من موانئ مُتباعدة، تشكّل ردًّا عمليًا على حياد العالم، كأنّها تقول إنّ الإنسان قادر على تحويل المأساة إلى فعل، واليأس إلى انطلاقة جديدة. على مرّ العصور عرفنا أساطيل خرجت بحثًا عن مجد الإمبراطوريات أو عن قارات مجهولة؛ أسطول الفينيقيين الذي جاب البحر الأبيض المتوسط ناشرًا التجارة، وأسطول تشنغ هي الصيني الذي وصل إلى سواحل أفريقيا، وسفن فاسكو دا غاما التي ربطت الشرق بالغرب من طريق رأس الرجاء الصالح...، لكن أسطول الصمود يخرج من الموانئ، لا بحثًا عن الذهب أو السلطة أو المستعمرات، بل من أجل قيمة مجرّدة لكنّها أعمق من أيّ كنز، وهي العدالة، وبذلك يعلن أنّ المدن المحاصرة، مهما ضاقت بها الأرض، تظل تجد "غرباء" مؤمنين بالإنسانية يأتون من بعيد ليقولوا إنّ العالم لم يتحوّل بالكامل إلى غابة؛ البقاء فيها للأقوى والأكثر توحّشاً.

القوارب الصغيرة، وهي تنطلق من موانئ مُتباعدة، تشكّل ردًّا عمليًا على حياد العالم

علاوة على ذلك، فالتمرّد (بتعبير ألبير كامو) يمكن اعتباره موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون حراكًا سياسيًا يظهر في القوارب المُتجهة نحو غزّة، كفعل يواجه العبث بالصمت ذاته، لا بخطابات أو بيانات الشجب والإدانة. فالتمرّد هنا لا ينطلق من يقين بالنصر، بل من رفض تحويل المأساة الإنسانية إلى تفصيل باهت في نشرات الأخبار. ومن ثمّة، فإنّ من يبحر لكسر الحصار يعلن أنّ الضمير البشري قادر على انتزاع لحظة من المعنى وسط عالم يحاول تجريد البشر من إنسانيتهم، وأنّ الكرامة تبدأ من القرار بأن نقول "لا" في مواجهة ما يبدو قدرًا محتوماً.

بالإضافة إلى ذلك، ما يحدث في هذه الرحلة يتخطّى حدود السياسة، فحين يلتقي المشاركون من كلّ بقاع العالم (آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركيتين وأستراليا) في نقطة ما من المياه الدولية، ينشأ فضاء رمزي جديد، فضاء لا تعترف به الخرائط الرسمية، لكنه يملك شرعية أخلاقية تتجاوز كلّ المواثيق الدولية. هنا نستحضر حنّه أرندت، التي رأت أنّ الفعل السياسي الحقيقي يبدأ حين يجتمع الغرباء في فضاء عام ليصنعوا معنى مشتركًا. هكذا، يتحوّل البحر إلى فضاء عام بامتياز، فضاء يولد خارج سلطة الدول، خارج توازنات الجيوش، في قلب إنسانية ترفض أن تتنازل عن نفسها.

الكرامة تبدأ من القرار بأن نقول "لا" في مواجهة ما يبدو قدرًا محتوماً

إنّ القوارب الصغيرة لا تحمل السلاح، لكنها تحمل ما هو أخطر على سلطة القوة؛ فكرة أنّ الكرامة لا تُقاس بموازين الجيوش، وأنّ الحياة تملك حقّها في الوجود حتى لو تواطأ العالم على خنقها. إنّها تذكّرنا بمقولة غاندي: "إنّ اللاعنف هو أعظم قوة متاحة للبشرية، أقوى من أي سلاح". كذلك فإنّ البحر نفسه وهو يمتدّ بلا نهاية، يتحوّل إلى مرآة للوجود الإنساني: ضفة تملك فائض القوّة والثراء، وضفّة مُثقلة بالفقر والحصار والتجويع والتقتيل، وبينهما أمواج تحاول أن تبتلع الصمت الطويل للمؤسسات والمنتظم الدولي. وفي قلب هذا المشهد، يبحر أسطول الصمود كأنّه فعل احتجاج ضدّ الهندسة الباردة للعالم الحديث، عالم رسم حدوده الكبار وترك للضعفاء هوامش الموت والجوع.

قد تصل القوارب إلى غزّة، وقد تعترضها القوات الصهيونية في عرض البحر، لكنّ الوصول المادي لم يعد الغاية القصوى، فالغاية الحقيقية هي هذا الامتحان الأخلاقي الذي تخضع له الإنسانية جمعاء، هو: هل يمكن للضمير البشري أن يستيقظ من سُباته الطويل؟ هل يمكن للأفراد العاديين أن يصنعوا لحظة صدع في جدار الصمت الكوني؟

في الأخير، يتحوّل الإبحار إلى كتابة جديدة في كتاب تاريخ العالم، كتابة لا تملكها القوى الإمبريالية الكبرى، ولا يتحكّم فيها مجلس الأمن الدولي، لأنها تنبع من قرار الإنسان البسيط بأن يواجه، بأن يقول إنّ الحياة تظل جديرة بأن تُعاش حتى في قلب الحصار والدمار.