أسئلة القراء

أسئلة القراء

17 نوفمبر 2021
+ الخط -

أبواب أسئلة القرّاء في الدوريات الثقافية القديمة انقرضت اليوم من الصحافة، سواء أكانت يومية أو أسبوعية وحتى شهرية، لتحل محلها مقتطفات مما يكتبه القرّاء وتضيق به الصفحات.

"أسئلة القرّاء"، زاوية ثابتة في تبويب معظم الدوريات الثقافية العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، وهي زاوية يُخصصها المحرّر للرد على ما يحيّر القرّاء من أمور العلم والفن، ومسائل التاريخ والجغرافيا، وقضايا الفلسفة والفكر والأدب وعجائب الاكتشاف والاختراع.. وهي كائن حي كالصحف والمجلات والمجتمعات، يُصيبها الخمول وتلحقها التفاهة أحياناً، وتتوشّح بالجدية والعُمق في أحيان أخرى. وفي كل الأحوال فهي مرآة شديدة الصقل، تعكس حيرة المثقفين وهمومهم العقلية، وتقدّم صورة واقعية لتفاعلهم مع ما يقرأون من كتب وصحف ودوريات!

وهي في مرحلة الشيخوخة، تحوّلت زوايا أسئلة القرّاء إلى وسيلة يتسوّل بها بعض القرّاء كتب المحرّر هدايا غير مدفوعة الثمن، فإذا عزّت عليهم، شحذوا صورته وكأنه نجم عتيد من نجوم الشاشة الكبيرة أو الصغيرة!

أما أيام فتوتها فكانت تلك الأبواب قبلة الذين يريدون مزيداً من فهم العالم، ويبحثون عن حل للمشاكل التي طرقت أبواب العقل العربي في ما سبق، بإلحاح لا يعرف التردد! وعن إجابة عن الكثير من الأسئلة التي تخامرهم، وما السيكولوجيا وما السوسيولوجيا؟ إلى ماذا يشير علم الأنثروبولوجي؟ وما هو علم الميتورولوجيا؟ ما هي لغة التخاطب عند النحل؟ ومن أي كلية تخرج توماس أديسون، وهل يطيل الزواج الشرعي العمر؟

لا أحد يدري لماذا كانت الدوريات الثقافية في القرن الماضي تصر على هذا الشرط الغريب، فتوصد أبواب أسئلة القرّاء في وجه غير المشتركين

أسئلة متنوعة ومتناقضة، لا حد لها، لأنه لا حد للمعرفة الإنسانية.

والغريب أنَّ المحرّر كان يتولى الإجابة عن كل الأسئلة، ما كان منها في الطبّ، وما كان في علم البيداغوجيا، فقد كان آباؤنا من محرري الدوريات الثقافية في القرن الماضي من الموسوعيين الذين يقرأون ويكتبون في أفرع عديدة من العلم لا رابط بينها، فإذا كان سؤال القارئ معقداً عاد المحرّر إلى دوائر المعارف والموسوعات يبحث له عن إجابة، فإذا لم يجدها اعتذر ـ في تواضع العلماء ـ بأن فوق كل ذي علم عليم!

ولم يكن القرّاء جميعاً في المستوى نفسه.. فهناك القارئ الذي تتواضع اهتماماته عند تأليف لغز رياضي أو مسألة حسابية، تنشرها المجلة ليتبارى في حلها القرّاء.. وهناك من تشغلهم مشاكل الدنيا ويبحثون عن حل علمي لها، فيسألون عن وصفة كيميائية لتبخير شجر البرتقال، أو وسيلة ناجحة لحماية الدواجن من الأوبئة، بينما ينشغل آخرون بالنحو والإعراب والبلاغة، ويسعى غيرهم للبحث عن تاريخ أطلال أثرية تقع في مواطنهم، ويشكو كثيرون من عادات خلقية أو أنماط سلوكية يسعون للتطهّر منها فتعجزهم الوسائل.

وربما لهذا السبب، فإن أبواب "أسئلة القرّاء" في الدوريات الثقافية هي العينة الصالحة لدراسة هموم المثقفين ومشاكلهم وقياس مدى وعيهم بما يحيط بهم وبوطنهم من علل ومشاكل!

ومما يزيد من قيمة "أبواب أسئلة القراء" كعينة للاستدلال منها، أنّ الحق في توجيهها لم يكن مطلقاً لجميع القرّاء، فهي زاوية ترحب بأسئلة المشتركين في المجلة فقط.. أما غير المشتركين فلا حق لهم في توجيه الأسئلة، ولا يزعج المحرّر نفسه بالإجابة عن تساؤلاتهم، وهذا يعني أن السؤال يصدر ـ في الغالب ـ عن قارئ يملك حداً معقولاً من الثقافة، بحكم انتظامه في قراءة مجلة ثقافية، ومتابعته لما ينشر فيها.

ولا أحد يدري لماذا كانت الدوريات الثقافية في القرن الماضي تصر على هذا الشرط الغريب، فتوصد أبواب أسئلة القرّاء في وجه غير المشتركين، ربما كانت تنظر إليه كحافز يُنشّط عدد المشتركين فيها، وربما كان المحرّر يضن بمجهوده على القارئ العابر ويحتفظ به للقارئ المثابر الدؤوب. ولعلّه ـ وهو الأرجح ـ كان ينظر إلى المجلة والقراء باعتبارهما أسرة واحدة تتبادل السعي من أجل الثقافة والوعي!

وأيّاً ما كان السبب، فهو يدعوك -عزيزي القارئ- لكي تنظر إلى الماضي دون خجل!

مدونات أخرى