أرض الخوف
هناك من الهموم المحلّية اللصيقة بشأننا اللبناني، إضافة إلى شقيقاتها الفلسطينيات والسوريات، ما يجعلنا نحن المواطنين مشغولين بالمتابعة، ليلًا نهارًا، فقط لا غير، حتى لو لم نكن كتاباً صحافيين أو مهتمين بالشأن العام، متخلّين، تعباً ربّما، عن الاهتمام بأحوال بقية العالم.
فأن تكون مواطناً في هذه البقعة الجغرافية من الكوكب، يعني أن تكون مُنشغلاً بتسقّط المُستجدات، وعينك على شريط الأخبار العاجلة. ذلك أنّه من الخطير بمكان، وهنا أتحدّث عن خبرة، أن تخرج من منزلك أو حتى تقبع فيه، وأنت جاهل بتطوّرات الساعة السياسية والعسكرية. وحين نقول تطوّرات الساعة، نحن نعني حرفياً الساعة. ذلك أنّ أخبارنا المتدهورة يومًا بعد يوم تتطوّر، أو على الأصح، تتفاقم، كلّ ساعة إن لم يكن لحظة بلحظة!
لذا، قليلاً ما نجد وقتاً فائضاً لمُتابعة شؤون الأشقاء في البلاد العربية الأخرى، إلا عند حصول تطوّرات دراماتيكية عندهم من مرتبة عناوين الأخبار. كما في "هبّات" التمرّد الشعبية، إن كبرت وسمح لها أقوياء الكوكب أن تسلك طريقها الطبيعي لتصبح ثورة، أو صغرت وكانت مجرّد احتجاجات من دون تأثير اللهم إلّا التنفيس عن غضب مُتراكم، ربّما لم يكن يجب التنفيس عنه، بل تركه يكبر حتى يصبح ثورة.
من الخطير بمكان أن تخرج من منزلك أو حتى تقبع فيه، وأنت جاهل بتطوّرات الساعة السياسية والعسكرية
لكن تواتر أخبار الأحداث العنصرية وتفاقمها في تونس، ضدّ المهاجرين الأفارقة السود من جنوب الصحراء الكبرى إلى هذا البلد العربي الأفريقي، خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة، لم يعد من الممكن، لولا أخبارنا وأخبار فلسطين، تجاهله: يكفي أن تدخل تطبيق "تيك توك" لتشاهد ما يصيبك بالذهول: وجوه مدمّاة، بكاء نساء وأطفال مُعتدى عليهم، حرق وتدمير وطرد من المساكن واعتداءات بالضرب أو التهديد بالسلاح، باتت فيديوهاتها تحتل الفضاء الافتراضي. صراخ غضب وشتائم وصيحات "عودوا إلى بلادكم" التقليدية والمُعتادة في أحداث عنصرية كهذه، إن كانت في أميركا أو أوروبا، أو أيّ مكانٍ تجتاحه الأزمات الاقتصادية، مُمهّدة الطريق أمام هذا المدّ المُثير للاشمئزاز، فضلاً عن تلاعب السلطات بمخاوف الناس في تونس. هذا البلد الذي كان صاحب أكثر الكليشيهات مُسالمة في الأذهان.
فنحن نتحدّث عن تونس وشعبها. والتوانسة، من ألطف الناس، أُتيحت لي معاشرتهم لسنوات بين باريس وتونس ولبنان، وفي مناسبات وفضاءات مُختلفة، إن كانت ثقافية أم سياسية أم فنية.
وبغضّ النظر عن إعجابهم -غير المفهوم- باللبنانيين، فإنّ أكثر ما كنت أقدّره فيهم، لا بل كان يثير حسدي أحياناً، هو وعيهم السياسي وتجاربهم النقابية، إضافة، بالطبع، إلى وسطهم الثقافي والفني المُسيّس، فضلاً عن ثرائه بالمواهب.
هل يصدّق التونسيون حقا أنّ هناك فعلًا مؤامرة لإحلال المهاجرين من سكان جنوب الصحراء الكبرى مكانهم؟
هكذا كنت أتابع بشغف السينما والمسرح التونسيين، وهما عالمان شديدا الغنى بكبار المبدعين كالممثّلة والكاتبة، جليلة بكار، والمخرج والمؤلف فاضل الجعايبي، إضافة إلى كبار المخرجين السينمائيين كنوري بو زيد والناصر خمير وغيرهم كثر.
أما في السياسة فقد كنت مُتابعة دؤوبة بداية الثورة التونسية للمناضل والمحامي شكري بلعيد، والسياسي محمد البراهمي اللذين اغتيلا بعد ذلك في مؤشّر لإبعاد فريق يساري قوي ضمن الصراع على السلطة بعد بن علي.
أمّا الصورة العامة للتوانسة، وإن كانت تغلب عليها الكليشيهات السياحية التي تختصرها تلك الباقة من الياسمين خلف أذن الرجال، إلا أنّها كانت، بمكان ما، مُعبّرة عن مزاج عام يميل إلى اللطف. ربّما لم يكن هذا اللطف طبيعة بقدر ما هو مرآة لاستقرار اجتماعي ما، لم يعد موجوداً. فلقد كنت أقول في نفسي إنّ رجالاً يتزيّنون بهذه الطريقة من دون خشية الانتقاص من رجولتهم، يجب أن يكونوا من أكثر خلق الله دماثة. لكني على ما يبدو في حاجة إلى تحديث هذه الصورة على ضوء ما شاهدته أخيرًا ضمن فيديوهات على منصّة "تيك توك".
تغيّرت تونس كثيرًا على ما يبدو منذ وطئت أرضها في المرّة الأخيرة قبيل ثورة الياسمين كما سُمّيت وقتها. هل من المسموح أن تتغيّر بلاد الى هذه الدرجة في أقلّ من عقدين؟ الاستبدال العظيم؟ هل يصدّق التونسيون حقًّا أنّ هناك، فعلًا، مؤامرة لإحلال المهاجرين من سكان جنوب الصحراء الكبرى مكانهم؟ كيف يكون ذلك وعدد هؤلاء بالمُجمل لا يتجاوز الخمسين ألفاً بحسب الإحصاءات الأممية؟ لا بل إن وجهة أغلبهم، ليست حتى تونس، بل أوروبا. هذه الأخيرة التي تغدق على السلطات التونسية بالمساعدات من أجل أن تقوم بوظيفة الدرع الحامي لمنع هجرة أبناء الجنوب الفقير إليها؟
إنْ سيطر عليك الخوف ستنسى أيّ شيء آخر. لن تفكّر إلا في النجاة منه
مِمَّ يخاف التوانسة؟ من باعهم هذه البضاعة المغشوشة التي تُسمّم أحشاءهم وتجعل بعضهم يتقيؤون الكراهية على من هم أضعف منهم؟
يبدو أنّ بضاعة الخوف هي السلعة الرائجة هذه الأيّام في العالم أجمع. نما الخوف بمختلف أشكاله وأنواعه على هذا الكوكب. كبر وشبّ، طبعاً برعاية السلطات. فالخوف هو الوسيلة المُفضّلة لديها لفرض الطاعة.
الخائف يطيع، إن كان مرعوباً من القتل، أو مذعوراً من البطالة، أو الفقر، أو العنصرية، أو المرض.
الخوف هراوة قديمة حيناً، ومُنوّماً فعالاً حيناً آخر. مع أنّه لو استُخدم بالمقادير اللازمة لكان وسيلة حماية تماماً كأيّ سم. إنْ سيطر عليك الخوف فستنسى أيّ شيء آخر. لن تفكّر إلّا في النجاة منه. هكذا يشق الخوف طريق العنصرية، فتكره من تلقاه في الطريق بدلًا من أن تترافق وإياه للخروج من أرض الخوف.
لقد ضقت ذرعاً بهذا الكوكب الخائف. لم أعد أحتمله. لكن إلى أين المفر؟ فالبحر من أمامنا، والعدو من خلفنا وفوقنا وتحتنا والحمد لله. ضاقت الجغرافيا، ضاقت الأرض، وضاقت روحي.
إنّ مجرّد قراءة أخبارنا بصفتنا بشراً، شعوباً في مختلف نواحي الكوكب هذه الأيّام، بات كافياً ليُصيبني ببؤسٍ غير مسبوق.
فكيف إن كانت البلدان التي خطّطت للفرار إليها من كلّ هذا البؤس، كما تونس، صارت هي الأخرى طافحة بالكراهية؟
أوقفوا دوران الأرض. فبي غثيان وأريد أن أترجّل.